اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

ما من مرة ادّعينا أن النظام في سوريا نظام مقدس. لا بد أن تجد بين المسؤولين من هم بقاماتهم العالية، المثال في النزاهة وفي التفاني، وقد تجد بينهم (كتجربتي مع وزيرين للاعلام) من لا يصلحون حتى لقيادة الطنابر، ان بالأدمغة الخشبية وبالعيون الخشبية . هذا ما يجعلني، كعاشق عتيق لدمشق، أتردد في زيارتها، وحيث السير في حواريها هو السير في حواري الجنة ...

في باريس، تصدمك نظرة الفرنسيين السلبية الى سوريا أكانوا من الساسة أم من الفلاسفة أم من الاعلاميين. اجترار للموقف الذي تشكل منذ الثورة السورية الكبرى؟

لكن الغلبة دوماً للغة المصالح. لولا التكشيرة الأميركية، لرأينا كاترين كولونا ضيفة على فيصل المقداد، تماماً مثلما هرع لوران فابيوس حافياً الى طهران (29 تموز 2015 ) عقب اتفاق فيينا، مع أنه كان أميركياً، وحتى «اسرائيلياً» أكثر من الأميركيين وأكثر من «الاسرائيليين» أثناء المفاوضات.

لا جدوى من أي محاولة لزحزحة الآراء هنا، حتى ولو سألت «هل كان يفترض ببشار الأسد أن يسلّم مفاتيح دمشق الى رجب طيب اردوغان لتحويلها الى ولاية عثمانية؟ أم كان يفترض به فتح أبواب أقدم مدينة مأهولة في التاريخ أمام المغول الجدد لتكون نسخة عن تورا بورا أو عن قندهار؟

التغيير المثير نلمسه في آراء بعض الديبلوماسيين العرب في باريس، وان كان أحدهم، كراع لـ «الاخوان المسلمين»، لم يستسغ وجودي في احدى الجلسات . كان ينظر اليّ بعيون صفراء كما لو أنني مبعوث شخصي للرئيس السوري، حين رحتُ أتحدث عن دور الدولة السورية في دعم لبنان لاجتثاث البربرية من أرضه.

البعض في لبنان، ممن توارثوا الكراهية جينياً لكل ما هو سوري، رأوا في الاقتراب العربي من سوريا الاقتراب المشروط (أو المستحيل) باحداث تغيير في هيكلية السلطة فيها، من خلال الشراكة مع المعارضة ...

ولكن أي نوع من المعارضة؟ بطبيعة الحال، هناك شخصيات معارضة عرفت باتزانها، وبانتمائها الى الروح السورية، دون أن ترتهن لأي جهة خارجية . هؤلاء لا بد من التعاون معهم كسبيل لبلورة ديناميكية أكثر رؤيوية للنظام، دون تلك المعارضات التي لم تكن لتختلف عن أكياس القمامة على أرصفة اسطنبول أو غيرها ...

في اعتقادنا أن ما صدر عن لقاء عمان، لا يمس بجوهر الرغبة العربية في العودة الى سوريا، التي وصفها أحد الحضور بـ»الدولة المركزية في حماية الأمن الاستراتيجي العربي». هذا قبل قرار تعليق قرار تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية.

سوريا لم تكن يوماً الا عربية الهوية، وعربية الهوى، بالرغم من غوغائية بعض الشاشات، وحيث تحولت الدولة التي تضج بالتراث العربي الى «حالة ايرانية». ايران دولة صديقة، سواء بالمعايير الكلاسيكية أم بالمعايير للعلاقة. أين استــطاع الايرانيون التأثيرفي البنية السوسيولوجية أو في البنية الايديولوجية، لأي من مكونات المجتمع السوري؟

التعاون مع روسيا هو أيضاً التعاون مع الحليف، الا اذا كان التحالف مع روسيا مخالف للشريعة، أما التبعية لأميركا فهي في أساس الشريعة. استطراداً، متى لم تكن سوريا، ومنذ الخمسينات، حليفة لموسكو، ولطالما كانت سوريا هدفاً لتلك السيناريوات التي تتوخى أن تجعل منها محظية أميركية، وحتى محظية «اسرائيلية» ... ؟

النظرة الى المشهد الحالي، وكما لاحظ ديبلوماسي عربي، ينبغي أن تكون في منتهى الشفافية والعقلانية. سوريا في مرحلة انتقالية. على كتفيها أعباء هائلة ليس فقط في عملية اعمار المدن والقرى، وانما ايضاً في اعمار المجتمع الذي تعرضت فئات كثيرة منه للتفكيك السيكولوجي، ناهيك عن الفوضى الأخلاقية.

لا سبيل البتة لاحداث أي تغيير في هيكلية السلطة من خلال الشراكة مع «أحصنة طروادة». المسؤولون السوريون تلقوا وعوداً بالمساعدة على تنفيذ خطط عملاقة لاعادة الدولة الى دورها في ... ادارة الحياة!

في باريس هذا الكلام : العودة العربية الى ضفاف بردى، تعني عودة الروح الى سوريا . تلقائياً ... عودة الروح الى لبنان. أين أميركا من كل هذا؟ «أميركا في مكان آخر. لن تستطيع أن ترفع صوتها في وجهنا»...