اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رأيته يغسل له رجليه ويمسح وجهه ويقبل رأسه وكان يجر كرسيه المتحرك مبتهجا ممتنا للرب على نعمة الخدمة التي يقوم بها. هذا هو خليل ذاك الممرض المحب صاحب الابتسامة الدائمة. كان خليل "يحمم" عجوزا لا يعرفه، يشع من وجهه نور الرب وكان العجوز يتمتم ويردد "الله يكافيك ويرد عنك". كان خليل يعمل دون ملل بل واكثر كان فرحا وكأن من يخدمه هو احد افراد عائلته.

التقيت خليل ودار بيني وبينه حديث أخبرني من خلاله عن مسيرته في دار الرعاية وكيف انه اراد ان يكرس بقية حياته في خدمة العجزة والمتعبين بعد ما ان عمل في التجارة لسنوات عديدة. قال لي انه اراد التخلي عن الحياة الصاخبة والزائفة وقرر البحث عن وجه الرب. كان خليل منفعلا في اخباري تجربته وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ليخرج التراكمات السلبية من داخله التي طالما هزت كيانه على حد قوله. أردف قائلا: "المهم هو البحث عن وجه الرب، عن نور الرب، وهذا يكمن في الاقتراب من الله والعيش بوجوده في كل جانب من جوانب حياتنا وبالأخص مع الفقراء والمتعبين، وبالتالي نكتشف أن التقرب من االله يمنحنا السلام الداخلي والقوة الروحية لمواجهة التحديات والصعاب ويبعدنا عن الخطيئة". ثم اضاف: "هل تدري مدى الصعوبات التي نواجهها نحن كخدام هنا؟ هل تعلم كمية الطاقة التي تخرج من ذواتنا لهؤلاء الاشخاص؟ وكم هو مقدار الحنان والحب الذي نقدمه لإسعاد هؤلاء الملائكة؟" اسئلة عجزت عن الإجابة عنها لأنني وجدت نفسي صغيرا امام كمية التضحية المبذولة من هذا الشخص.

قلب لقائي مع خليل مفهومي للخدمة، لطالما اعتقدت انني اخدم الآخرين من خلال تواصلي غير المباشر معهم إن كان في تلبية حاجاتهم المادية او المعنوية. فتح حديثي معه الباب على مصرعيه، باب الالتزام الكلي في خدمة الآخر، وهنا بيت القصيد! من منا قادر على تكريس كل وقته للعمل الإنساني؟ ما الفرق بين خدمتي وخدمة خليل؟ هل ما اقوم به كافيا؟ وإن لم يكن، فماذا ينبغي أن افعل؟! هل ابيع كل وقتي للخدمة واحمل الصليب، ام ابقى على ما انا عليه؟

نعم جردني خليل من كبريائي ووضعني على مفرق طريق لطالما اقنعت نفسي بصوابية خياراتي وبسيري بالإتجاه الصحيح. شعرت ان هذا الرجل ممتلئ من نور الرب وهو يدرك ما يفعل بل واكثر هو يريد رؤية وجه الرب. هو يبحث عن كنزه بعيدا عنا وينظر الى مدى لا تراه اعيننا فرحلته باتت سهلة وهدفه قريب.

ودعت خليل ونزلت الى حيث انا، الى عالمي الذي لطالما به اقتنعت، مبهورا ومشوشا.

كان لقائي معه تدبيرا الهيا، اذ شعرت ان الرب يناديني من خلاله وعلي أن انظر الى وجهه لأدرك مقاصده في حياتي فنوره بات قريبا.

يعد الاعتماد على نور الرب واحدًا من البوصلات التي تواجهنا في رحلتنا للبحث عن الهدف الحقيقي لحياتنا وهو رؤية وجه الرب. ولو كان خليل بعيدا عن نور الرب لما كان قادرا على الصمود والخدمة بمحبة مطلقة. نور الرب هو محرك القلوب ومنعش النفوس وملهم العقول والبصيرة الايمانية ومحرك للإرادة وخدمة الآخر.

اردت من عنوان هذا المقال أن يعكس نور الرب الشعور بالإصلاح الروحي والإلهام الذي يمكن أن يلقيه الإيمان في حياة الأفراد وأن تبرز هذه العبارة أهمية إشراقة الروح والنور في دورات الحياة في كل جوانب السلوك الفردي والجماعي. في ظل التحديات والضغوطات الحديثة، فإن الإيمان يمكن أن يوفر الدعم والقوة الروحية للأفراد والمجتمعات عن قرب وليس من بعد.

يذهب العديد من الباحثين في الفلسفة واللاهوت إلى أن الإيمان في نور الرب يتطلب رؤية عالمية شاملة تتعامل مع الدين والعلم والفن والثقافة والفلسفة، ولكن خليل ذهب مباشرة الى جوهر الرب من خلال النظر الى وجهه من خلال نوره الأزلي.

عندما يسطع نور الرب في قلوبنا وأذهاننا، نكون قادرين على تحقيق التوازن بين الاهتمام بأنفسنا وبالآخرين وبالطبيعة التي نعيش فيها. يجب علينا أن نروي نور الرب في حياتنا اليومية من خلال التواضع والحكمة والصلاة ومن بعدها الخدمة.

أنر يا رب عقولنا من نورك الذي لا ينضب كي نعرف أن نتخذ القرارات الصائبة فنعيش ايماننا حسب ارادتك ونمجد اسمك القدوس.

الأكثر قراءة

الهجوم الإيراني يُرمّم توازن الردع في المنطقة بايدن يلجم نتنياهو... الى متى؟ ... لبنان في «عين العاصفة»