اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


في قراءة أوّلية لمشروع موازنة العام 2024، يرى كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث لدى "بنك عودة" الدكتور مروان بركات في حديث لـ "المركزية" أنها "تتأرجح بين الإيجابيات والسلبيات، إذ إن الموازنة احتوت على بعض النقاط المؤاتية وبعض التداعيات السلبية".

على صعيد الإيجابيات، يذكر بركات:

- أولاً، باشر مجلس الوزراء باكراً درس مشروع موازنة العام 2024 الذي كانت وزارة المالية قد أحالته بداية أيلول، وأقـرّه بسرعة ضمن المهل الدستورية، مسجّلاً بذلك سابقة منذ العام 2002. لقد تمت إحالة مشروع الموازنة الى مجلس النواب قبل 15 يوماً من انعقاد العقد التشريعي الذي يبدأ في منتصف شهر تشرين الأول، ما يجيز وفق المادة 86 من الدستور إصدار الموازنة بمرسوم بدلاً من قانون في حال لم يتمكن مجلس النواب من اقرارها طوال الفترة المخصصة لدرسها ومناقشتها.

- ثانياً، تنطوي الموازنة على تحسن في نسبة تعبئة الموارد، والتي كانت قد بلغت 16% من الناتج قبل الأزمة وتراجعت بشكل ملحوظ بعد ذلك إلى 4% من الناتج في العام 2022 في ظل التدهور اللافت في سعر صرف الليرة اللبنانية بعد اندلاع الأزمة. ويعتبر تعزيز نسبة تعبئة الموارد من الأمور الشديدة الأهمية لتأمين التوازن المالي والاستقرار في المالية العامة، والذي يعدّ في حدّ ذاته شرطاً لتحقيق الاستقرار في سعر الصرف عموماً.

- ثالثاً، إن زيادة الضرائب والرسوم في موازنة العام 2024 فرضها تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي بنسبة 98% منذ بداية الأزمة. إذ زاد سعر صرف الدولار 60 مرة مولّداً تضخماً تراكمياً بنحو 5000% منذ اندلاع الأزمة، ما يفرض محاذاةّ للضرائب والرسوم وإن بشكل جزئي لتأمين استدامة الخدمات العامة.

- رابعاً، تأتي التعديلات المقترحة للضرائب والرسوم في موازنة العام 2024 بعد رفع الدولار الجمركي إلى سعر السوق منذ بضعة أشهر، والذي ساهم في حدّ ذاته في تأمين نوع من الانتظام المالي، ودعم المالية العامة والمساهمة في تحفيز الاستقرار النقدي الذي شهدته البلاد خلال الأشهر الثمانية الماضية.

أما على صعيد السلبيات:

- أولاً، يفتقر مشروع الموازنة إلى الرؤية الاقتصادية والتي ينبغي أن ترافقه من أجل أن توضح الركائز والاستراتيجية الماكرو-اقتصادية للحكومة مستقبلاً والتي تندرج تحتها الموازنة السنوية.

- ثانياً، إن العجز المالي بقيمة 17 ترليون ليرة (193 مليون دولار) المستهدف تحقيقه في العام 2024 يبدو صعب المنال، ما يضع الأرقام المطروحة ضمن الموازنة موضع التساؤل، ولا سيما في ظل الزيادة في الإنفاق التي استجدت مع اندلاع الحرب في الجنوب.

- ثالثاً، ينبغي التأكد من أنّ مشروع موازنة العام 2024 منسجم مع سيرورة توحيد سعر الصرف التي أطلقها مصرف لبنان، وتحاشي المعاملة التفضيلية لبعض المكلَّفين إزاء غيرهم. في السياق ذاته، ينبغي إعادة النظر في المادة التي تسمح لدافعي الضرائب بسداد ضرائبهم من خلال حساباتهم بالدولار المحلي على أساس 40% من سعر الصرف المحدّد على منصّة صيرفة، ذاك أنها تستحدث سعر صرف جديد في السوق بينما الهدف هو التقليل من أسعار الصرف المتعددة.

- رابعاً، ينبغي أن يتضمن أيضاً مشروع موازنة العام 2024 موارد كافية لإعادة بناء الإدارة الضريبية من أجل تحسين أطر الامتثال وتعزيز العدالة الضريبية.

- خامساً، ينبغي على الدولة أن تحدّ من فرض الضريبة بالدولار من أجل تجنب الطلب المفرط والذي قد يستجد على الدولار في السوق من قبل دافعي الضرائب لسداد ضرائبهم. في المقابل، يجب على الحكومة التحصيل بالليرة اللبنانية بشكل كامل وإيداع العائدات لدى مصرف لبنان، ويقوم المصرف المركزي بدوره بعملية التحويل اللازمة لمصلحة الدولة حينما يجب عليها الدفع بالدولار.

- سادساً، إن رفع الضرائب بشكل مفرط داخل اقتصاد انكماشي إنما يجعل الاقتصاد الحقيقي أكثر تردياً. كبديل لذلك، يجب على الدولة أن تحسّن التحصيل الضريبي والامتثال ومحاربة التحسن الضريبي. ينبغي على الحكومة أن تعالج بشكل جدي مسألة الفجوة الكبيرة في الإيرادات والناتجة من التهرب الضريبي والتي تقدّر بزهاء 10% من الناتج المحلي الإجمالي، والناجمة بشكل أساسي عن ضرائب الدخل والإيرادات الجمركية وفواتير الكهرباء والرسوم العقارية.

وختم بركات: نعتقد أنه لا يبقى للدولة من خيار سوى تقليص حاجاتها التمويلية في المرحلة المقبلة، ولا سيما في ظل إحجام مصرف لبنان عن تمويل القطاع العام. إن التصحيح المالي المنشود ينبغي أن يشمل التقشف الملحوظ في الإنفاق، تحسين تعبئة الموارد، كبح الفجوة المالية الناجمة عن التهرّب الضريبي، إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق وفورات لافتة في الإدارة المالية بشكل عام. 

الأكثر قراءة

الرئيس عون صمت دهراً ونطق "هجوماً على حزب الله"