اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

"دعوني أتصور أي منصب سيوكل اليه في جهنم..". هذا تعليق كاتب سيرته غريغ غاندين على رحيله. الباحث في التاريخ ر. اندرسون لم يسأل فقط "كيف تمكن من اقناع ملائكة الموت بالبقاء لقرن كامل؟. بل رأى أن هنري كيسنجر "بين القلائل الذين تخجل السماء من تركهم يسفكون الدم على امتداد الكرة الأرضية".

واذا كان فرنسوا ميتران قد قال في غولدا مئير، لدى رؤية وجهها القبيح، "لكأنها سقطت للتو من مؤخرة يهوذا"، لا بد أن يوجد من يقول في وزير الخارجية السابق "لكأنه سقط للتو من مؤخرة الشيطان" !.

مواقع التواصل ضجت بالتعليقات. فلسطيني في الدانمرك كتب "كنت أعتقد أن كيسنجر آخر أنبياء الدم في التوراة، ليتبين لنا، مع بنيامين نتنياهو، ألاّ نهاية لأنبياء الدم".

كثيرون في العالم، لا سيما في العالم العربي، تحدثوا عن عبقريته، ما فاقم نرجسيته الى حد القول "لو كنت في زمن قايين وهابيل ـ لم يقل في زمن اسحق واسماعيل ـ لتوسطت بينهما". هذا ما حمل جان دانيال، وهو الصحافي اليهودي البارز، على سؤاله "لماذا لم تبذل الجهد الكافي لانهاء الصراع بين الاسرائيليين والفلسطينيين؟"، ليأتي الجواب "شخصياً، لا أملك صلاحية ادارة التفاوض بين نصف الله والنصف الآخر". هو من اعتبر أن أزمة الشرق الأوسط "ولدت مع الله وتموت مع الله".

وحين أطلق عليه البعض لقب "ميترنيخ القرن العشرين"  اغتاظ وقال... "بل ان ميترنيخ هو كيسنجر القرن التاسع عشر"، مع أن أطروحته للدكتوراه كانت عن المستشار النمساوي الذي اضطلع بدور محوري في مؤتمر فيينا (1815 ) حيث تمت صياغة رؤية جديدة للعلاقات بين الدول الأووبية عقب سقوط الحقبة البونابرتية.

ادوار سعيد اعتبر أن كيسنجر هو من تولى، بعيداً عن الأنظار، هندسة العلاقات الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب. وهو من خطط لعقد اتفاقية كمب ديفيد بين أنور السادات ومناحيم بيغن، ظناً منه أن اخراج مصر من الصراع لا بد أن تعقبه سلسلة من الاتفاقيات التي تجعل من الدولة العبرية "قاطرة الشرق الأوسط".

الذين كتبوا عنه، وبعضهم مسؤولون سابقون في وكالة الاستخبارات المركزية، أو في دوائر حساسة أخرى، تحدثوا عن "رجل تسكنه الأرواح الشريرة" من خلال الانقلابات الدموية التي كان وراءها، ان في أميركا اللاتينية، أو في باكستان وأندونيسيا، ناهيك عما فعله في فيتنام وفي كمبوديا، وحيث الضحايا بمئات الآلاف.

الكاتب ميغيل أنغيل أستورياس (غواتيمالا)، الحائز جائزة نوبل، قال في كيسنجر "ذاك الذي، أينما حلّ، يحمل هيروشيما على ظهره..." ".

أنور السادات قال له، حين كانت نجوى فؤاد تؤدي أمامه وصلة "حارة" من الرقص الشرقي، "هذا هو الشرق الجميل" الروائي جمال غيطاني أخبرنا أن كيسنجر قال للرئيس المصري"في هذه الليلة، أدركت روعة ألف ليلة وليلة"). الملك فيصل صفق الباب وراءه ليصفه بـ "الدجال"  تردد أنه رأى فيه "سليل الأبالسة".

طالما تردد أنه، بـ "ديبلوماسية البينغ بونغ"، فتح أبواب الصين أمام ريتشارد نيكسون، لكن مجلة The Diplomat ذكرت أن هذا الأخير هو صاحب المبادرة. الفيلسوف الفرنسي أندريه مالرو قال له "أنت توشك أن تقدم على أحد أكثر الاختبارات أهمية في هذا القرن".

بعد ذلك بسنوات قال كيسنجر ان "اختراق شخصية ماو تسي تونغ، في ذلك الحين، كانت أكثر صعوبة من اختراق سور الصين العظيم. بالرغم من ذلك ضحك كثيراً حين دعوته الى قضاء سهرة في البيفرلي هيلز...".

الصحافي الكامبودي رياتش سامباث كتب مقالة بعنوان "لعنة الجماجم"، محمّلاً كيسنجر مسؤولية مقتل مئات الآلاف في بلاده، وحيث كانت جماجم الضحايا "تصرخ في وجوهنا من بين حقول الأقحوان أو على ضفاف الأنهار".

الديبوماسية المكوكية (الخطوة خطوة) كان لها وجه آخر هو ديبلوماسية الدم. اضرام النيران في مناطق النزاع لتجري المفاوضات في ظل الدخان الكثيف.

قرن كامل يكفي. لكنه باق في شقوق الجدران. اقرأوا ما قاله أنتوني بلينكن في استاذه وملهمه...


الأكثر قراءة

هكذا انتصرت مخابرات المقاومة