اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

إنّها الذاكرة، تلك المساحة المحمّلة بأجمل الذكريات وبأكثرها إيلاما أيضًا، الذكريات التي تتسلّل إلينا عبر اختبار مواقف حياتية مستجدّة، شبيهة بتلك العابرة في ماضينا، فتوقظ الحلو والمرّ من الصور المخزّنة في تلك الذاكرة، مرفقة بمشاعرها المختلفة.

ويعدّ الفقد أحد المواقف القاهرة، ومشاعره مؤلمة جدا وغريبة أحيانا، فهي مزيج بين الحنين والحزن والفرح، إذ تارة نذكر من فقدْنا بفرح عارم، وطورا نشعر بكثير من الأسى والحزن لرحيله، على أنّ الفقد يتخذ أشكالا وأحداثا مختلفة مادية ومعنوية، ويمكن أن يكون فقدا دائما أو مؤقتا.

بالموازاة، وبعيدا عن الذكريات، قد يكون المرء فقد عزيزا منذ فترة وجيزة، أو قد يفقد عزيزا في أيّ لحظة، وقد يتلعثم حاضره بهذه الصدمة التي تفجع القلب وتكسر الخاطر، فتصبح الحياة قاتمة بنظره وتغادرها ألوانها، ولا يبقى منها إلّا اللون الأسود الذي يعمي بصره  وبصيرته عن كلّ شي أثناء ذلك الظرف القاسي.

ويعتبر الموت أو الوفاة من أصعب حالات الفقد على الإطلاق، وقد وصف الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش حيّز تأثيره قائلا:  "الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء "!

من هنا لزام على المرء أن يولي نفسه العناية اللازمة في هذه المرحلة الموجعة من حياته.

ماهية الفقد وما أشكاله

أوضح الإختصاصي في علم النفس العيادي مهند عبد الله سراج لـ"الديار" بأنّ " الفقد هو الخسارة بأنواعها المختلفة، التي قد يتعرّض لها الإنسان مع تغيّر الظروف ومراحل الحياة، وخاصة في الحروب والكوارث والأزمات، والتي قد تكون مادية (أموال تجارية أو ممتلكات)، جسدية  (مرض مزمن)، إعاقة (فقد عضو أو تشوه جسد)، أو خسارة أشخاص، موت قريب أو حبيب أو غيابه قسرًا لفترة طويلة ومنها الطلاق والفراق والأسْر والسفر. وللفقد جذور في التحليل النفسي، وهو ما يعبّر عنه بقلق الانفصال".

مضاعفات الفقد النفس- جسدية

على مستوى النفس، يتسبّب الفقد وما ينتج عنه من خسائر، وفق سراج ، بنوع من الحزن قد يصل للإكتئاب وضغوط نفسية واضطرابات عديدة، مثل: القلق، نوبات الهلع، الرهاب، الوساوس والإضطرابات المتعلّقة بالصدمة، وعادة ما تترافق هذه الاضطرابات مع مشكلات حقيقية في الحياة مثل: سوء التحصيل الدراسي أو عدم الإنتاجية في العمل، وكذلك المشكلات الأسرية والاجتماعية، التي تزيد الإضطرابات من حدّتها. وتشكل هذه المشكلات دافعا أساسيا لطلب المساعدة من المختصّين، ونصح بعدم انتظار ظهور الإضطراب النفسي بوضوح لطلب المساندة، بل البدء بحل المشكلات اليومية وطلب الدعم قبل أن تتفاقم الأزمة.

لا تقتصر مضاعفات الفقد على النفس فحسب، فهي تتجاوز أنين النفس وتطلق العنان لأنين الجسد أيضًا. وحول هذه المضاعفات، أوضح سراج أنّ للإضطرابات النفسيّة سواء الناتجة عن الفقد أو غيره من الأزمات، عوارض كثيرة على المستوى النفسي- العقلي- والروحي، وتتزامن مع العوارض على المستوى الجسدي، فلا يكاد يخلو أي اضطراب نفسي منها، وقد تشمل: صعوبات في النوم والتنفس، آلام في المعدة والمفاصل، سرعة نبضات القلب، ولائحة لا تنتهي من العوارض الجسدية، التي تحتاج للعلاج الطبّي الجسدي بالتزامن مع حلّ المشكلات النفسية، التي تزيد من احتمالية حدوث نوبات الألم الجسدية وتضاعف من حدّتها.

مراحل الفقد

يمرّ "الفاقد"  أو من يتعرّض لفقد كبير مؤثّر في حياته، بعدة مراحل نفسية، لخّصها سراج وفق الآتي:

1- الإنكار: وهي مرحلة عدم التصديق، والتصرف وكأن شيئا لم يحدث، وشعارها:  "لا يمكن أن يحدث ذلك لي".

2- الغضب: وهي ردة فعل طبيعية شعارها:" لماذا أنا؟ هذا ليس عدلا!"، وهي مرحلة حساسة قد تعرض البعض للأذى.

3- المساومة: وتشمل عقد اتفاقية مع الله أو مع الذات لتتحسن الأمور، وشعارها: "سأفعل أي شيء لترجع الأمور كما كانت".

4- الاكتئاب: وهي فترة تتخللها مشاعر الألم والحزن والشوق، وشعارها: "لا معنى للحياة بعد ما حصل، لن تتحسن الأمور"، وهي أيضا مرحلة حساسة قد تعرض البعض للأذى.

5- التقبّل: وهنا يخف الألم تدريجيا وتعود المشاعر للإستقرار، وشعارها:  "ما حدث قد حدث وسوف أكمل الطريق".

كيف أتجاوز؟

السؤال الذي يشغل بال "الفاقد" هو: هل أستطيع أن أتجاوز الفقد وحدي من دون مساعدة أحد؟

يجيب سراج : أنّ مراحل الفقد قد تمرّ سريعة جدا لدرجة أنّها لا تكاد تُلاحَظ، وقد تستمر كلّ مرحلة لأيّام أو شهور، وتكون لكلّ مرحلة معالمها وتغيّراتها الواضحة، وهذا يختلف باختلاف الشخص الذي تعرّض للفقد، ومدى مرونته وصلابته النفسية وقدرته على التكيّف مع التغيّرات والصمود بوجه الأزمات. واشار الى أنّه يستفيد مَن يتلقى الإسعافات النفسية الأولية والدعم النفسي المناسب، لتخطّي هذه المراحل بكل يسر وسهولة من دون أذى أو أزمات صحية أو جسدية، ومن الملاحظ أنّ من يعرف هذه المراحل قبل حدوث الأزمة، ويكتشف التغيّرات الشعورية والسلوكية لديه، ويقول مثلا:  "أنا الآن في مرحلة الغضب ويجب أن أضبط أعصابي"، أو " أنا في مرحلة الإكتئاب ويجب أن أتلقى الدعم المناسب"، هؤلاء الأشخاص تمرّ معهم هذه المراحل أيضا بكلّ سلاسة ولا تستمر طويلا. لذلك ينبغي تعلم هذه الخطوات من خلال المناهج التربوية والبرامج الصحية، إلى جانب تقنيات المساعدة الذاتية للتغلب على الشدائد.

وأكّد أنّه عند حدوث أزمة أو كارثة والتعرّض فيها لأي خطر أو خسارة، فإنّه يمكن لأيّ إنسان أن يساعد نفسه ويتجاوز المشكلة من خلال اتباع الخطوات التالية:

1- الحفاظ على الأمن الجسدي وهو عنوان المرحلة، وقبل أن يطلب أي مساعدة أخرى عليه أن يكون في مكان آمن، ولا يعرّض نفسه أو أولاده للخطر.

2-  تأمين الحاجات الأساسية له ولأولاده كالطعام والشراب والدواء والمنامة.

3- إن كان لا يستطيع رعاية أولاده، فليحوّلهم إلى شخص يمكن الاعتماد عليه في ذلك، كي لا يعرضهم للخطر بسبب توتره واضطرابه النفسي أو الجسدي.

4-  أن ينتسب وأولاده للنشاطات الإجتماعية والرياضية والترفيهية والروحية، والتي يمكن أن يستفيدوا منها خلال الأزمة أو بعدها.

5- أن يلاحظ التغيّرات الشعورية والسلوكية لديه ولدى أولاده، حتى يكون جاهزا للتصرّف.

6- إن كانت هناك جهات تقدم الخدمات النفسية يمكن اللجوء لها بأقرب فرصة، وعليه أن لا يؤجل ذلك أبدا.

7- أن يطلب المساندة النفسية لعلاج الإضطرابات التي يعاني منها أو أحد أولاده.

ويختم سراج مشدّدا أنّه" ليس هناك لوم أو ندم على الشعور بالحزن أو الغضب، بسبب فقد عزيز أو خسارة صغيرة أو كبيرة، فهذه المشاعر مشروعة وينبغي احترامها بالتزامن مع ضبط النفس، حتى لا تتحوّل إلى مشاعر انتقامية أو عنف لا إرادي قد يعرضني ومَن أحب للأذى، فالحياة مستمرة بحلوها ومرّها وكل ما يمرّ في حياة الإنسان عبرة وموقف، لا بدّ من العمل بها لتسير حياته نحو الأفضل".

خلاصة القول.. أن يعيش المرء مشاعر الحزن وأخواته أثناء الفقد، هو فعل يصبّ في خانة الشعور الإنساني الفطري والطبيعي، إنّما أن يستسلم لها ويُصاب بالشلل النفسي والأسري والعملي والحياتي جرّاءها، فهنا خرج الأمر عن طبيعيته، ولا بدّ من وقفة تفكّر عميق واستشارة أهل الإختصاص، ذلك أنّ بقاء وتراكم مشاعر الفقد من حزن وغضب ولوم وندم وسواها، يتحوّل إلى إضطرابات نفسية، ومن ثمّ أمراض نفسيّة فأمراض جسدية، وكلّها قد ينفضها المرء كالغبار إن امتلك الوعي بمشاعره، وعرف إدارتها في حالات الفقد وسواه.


الأكثر قراءة

حزب الله يهز «عرش» التفوّق الجويّ «الإسرائيلي»... ويتلاعب بـ«مقلاع داود» ساعات من «حبس الأنفاس» بعد توسّع الجبهة... وواشنطن على خط التهدئة «إسرائيل» تضغط لفرض وقف النار... والورقة الفرنسيّة لم تجد من «يشتريها»!