اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تحاصرنا الخيبة من كل الاتجاهات، فنحن ورثة النكبة والنكسة والركض خلف الدويلة، وانتهاك عرض البتول الجميلة ورميها على أرصفة الشوارع عارية تطلب الصدقة من أولئك الذين فضوا بكارتها أفرادا وجماعات.

نحن ورثة الثعالب التي أسكرت النواطير وسرقت عناقيد الكروم، واستباحت مواسم الخير وحفرت قي حقولنا وحدائقنا أوكارها وأنجبت هجارسها وأطعمتها من جذور خيراتنا.

نحن ورثة الأحلام المحاصرة بالعتمة والباقية في رحم الليل تنتظر مخاض الولادة، المسجونة في زنزانات النوم المسيّجة بأسوار النعس.

لا نستغرب حضور اليأس المُحزن المُجتاح للأقلام التي غرّدت لقدوم الربيع، وصاحت لطلوع الفجر، ومشت بها الأعوام الى منتصف المقلب الثاني من العمر، دون أن ترى بصيص الضوء وزهر اللوز، ودون أن تسمع زغاريد الحساسين على ضفاف السواقي وفوق أغصان الشجر.

لقد فاقت أوراق النعي بطاقات الأعراس، وتضاءلت دروب الحقول الخضراء واندثرت الأرصفة، ولم يبق سوى الأزقة المؤدية الى حانات العهر.

لقد أصبحت المسافة بين الخيبة والصحوة أرّق من شعرة العنزة الشامية، فقد انحنت جهة

الخيبة أمام الهياكل العظمية التي غلبت كروشها إنسانيتها فصارت أجساد تنهش بعضها حينا، والمتصالحة حين ترى نسيم الربيع يقترب منها أحيانا، أصبحت جسر العبور الى ويلاتنا، والخمول المتسلل الى نفوسنا وعقولنا.

يرى أصحاب الخيبة إنسداد الأفق، غياب طاقات الفرج، إنهيار عمارات الأحلام. غلبهم الاستسلام فلجؤوا الى زاوية يمارسون فيها شفافية مشاعرهم المهزومة.

ويل لأمة كثرة خيباتها وقلّة صحواتها، فهي تحيا على حفاف الخطر وضفاف الأنهار الراكدة، تقاوم الإنزلاق نحو الغرق والاندفاع نحو المقابر بإرادة التمسك بالحياة. نحن امة تناوب على اغتصابها الرومان والمغول والمماليك والأتراك والغرب، فأنجبت من كل الاشكال والأحجام والميول والاتجاهات، وتآمر عليها بعض العرب، فهي أصيلة يرغبها كل طامح للمشاركة في ميدان السباق.

نحن أمة مخترقة بسوس السنابل ونقّار الخشب، وحمّالة الحطب. مسكونة بالخديعة. لأعور الدجّال في ربوعها ورثة على عدد العرّافين. رفعها على حبل المشنقة كل الذين جاؤا اليها طمعا بلبنها وذهبها، وفشلوا في قتلها، وكم من الذين جلبوا النعوش معهم واحترقت على جمر غيظهم.

نحن أمة كثر فيها يهود الداخل، وعلى أنغام التمايز جاهروا بالخيانة، وما خجلوا من هدر دم أبناء وطنهم، ركبوا الخيل الشموس، ففقدوا بوصلة الاتجاهات وتاهوا عن دروب الوطن فصارت البلاد جسر عبور يعبرونه بغاية النزعة الفردية القاضية على الوجدان القومي والمُنعشة لفعل الخيانة.

إن بقايا السنابل تعيد الى الحقول زهوة الجمال ومواسم العطاء، ومن بقي على قيد السهر يؤذن للفجر. قد يرى الجاهل السنابل راحلة حيث تريد الرياح الناعمة، ولا يعلم أنها باقية في مكانها لا تترك الأرض إلا حين يأتي موسم الحصاد.

ما زال في بلادنا زقزقة حجال تجذب بصفيرها أترابها لتقع في شرك الأعداء. وما زال في بلادي صفير يحمل دعوة الى البقاء على قيد الحياة.

نحن أمة تتعرض للإغتيال منذ ما قبل الحروب الصليبية، وفي كل محاولة نخسر ضلعا من أضلاع وجودنا، ونستمر دون أن ننساه.

نحن اليوم أمة تذّكر، في ذاكرتنا حفظنا العالم منذ كان نطفة وصار امتدادا لا اول له ولا نهاية، ولأن ذاكرتنا أقوى من أفعالنا، نستمد منها ضعفا وأحيانا قليلة قوة.

يعتقد بعض من سكنته الخيبة، أننا احياء بفعل الصدفة، ويعتقد بعض من أخذته الغُربة وهو على أرض الوطن أننا أحياء بفعل العونة، أما نحن فنقول اننا أحياء بالقوة لأن فينا من هو حي بالفعل.

نحن أمة تقاتل بمن بقي على قيد الايمان بأننا نحب الحياة لأننا نحب الحرية، ونحب الموت متى كان الموت طريقا للحياة.

نحن أمة باقية على قيد الحياة بفعل من بقي على قيد الجهاد.

الأكثر قراءة

كباش بري - جعجع: ما خُفي أعظم!