اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


يتزاحم ملف النازحين السوريين مع الملف الرئاسي على أولوية اهتمامات المسؤولين اللبنانيين الى جانب ملفات ملحّة أخرى من أجل إخراج لبنان من الجمود السياسي، ومن التدهور الأمني والإقتصادي والديموغرافي الذي يعاني منه. ومع تجاهل الدول المانحة في مؤتمر بروكسل الثامن لـ "دعم مستقبل سوريا والمنطقة" الذي عُقد أخيراً في بلجيكا، مطالب لبنان التي تهدف الى التخفيف من أعباء النزوح عن كاهله، بات على الحكومة أن تتحرّك بصورة أكثر جديّة عبر القنوات السياسية والديبلوماسية لحلحلة هذا الملف.

تقول أوساط ديبلوماسية متابعة لملف النزوح السوري في لبنان ودول الجوار، بأنّه ليس على لبنان تحدّي المجتمع الدولي الذي لا يزال يرفض مساعدته على تسهيل عودة السوريين الى بلدهم، رغم علمه بأنّ مساحة سوريا تبلغ 18 مرّة تقريباً مساحة لبنان، وغالبية المحافظات فيها باتت آمنة ومستقرّة منذ سنوات. فنواياه معروفة، وهو يتذرّع بحقوق الإنسان ويتحدّث عن "عودة آمنة وطوعية"، في الوقت الذي لا يرفّ له جفن، أمام بشاعة جرائم الإبادة الجماعية التي ترتكبها "إسرائيل" بحقّ الفلسطينيين المدنيين، لا سيما الأطفال منهم، في قطاع غزّة.

فلبنان الذي يستضيف أكبر عدد من النازحين السوريين (أكثر من مليوني نازح) نسبة الى عدد سكّانه (الذي يصل الى 4 ملايين ونصف)، مقارنة مع دول الجوار، على ما أضافت، لا يُمكنه انتظار الحلّ السياسي الشامل في سوريا، على ما تريد الدول الغربية والأوروبية، كونها تودّ مساومة السلطات السورية على العودة، وعلى إعادة إعمار البلاد. ولهذا تتحرّك الحكومة وتعمل على تطبيق القانون اللبناني والإتفاقية الموقّعة بين المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والأمن العام في العام 2003، وقانون إقامة الأجانب الذي يعود الى العام 1962. الأمر الذي يتيح لها بترحيل كلّ سوري لا يملك أوراقاً شرعية للإقامة والعمل في لبنان، على غرار ما تفعل دول الجوار. فتركيا والأردن والعراق تستفيد من مساعدات المجتمع الدولي للنازحين السوريين على أراضيها، وتقوم في الوقت نفسه بتنفيذ قوانينها والقوانين الدولية المتعلّقة بالأجانب، فنجدها ترحّل كلّ من يخلّ بأمنها أو يقيم بطريقة غير شرعية على أراضيها..

من هنا، فإنّ لبنان سيُواصل الضغط ديبلوماسياً، على ما أوضحت الأوساط نفسها، لشرح موقف لبنان الذي ورد على لسان وزير الخارجية والمغتربين عبدالله بو حبيب. فقد طالب دول الإتحاد الأوروبي بتقاسم أعباء النزوح السوري، أي بالتوزيع العادل للنازحين على دول العالم المنتمية الى الأمم المتحدة، وعددها 194 دولة. فضلاً عن تسليم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين "داتا" المعلومات الخاصّة بالنازحين المقيمين على الأراضي اللبنانية من أجل أن تتمكّن الحكومة من تنظيم ملف النزوح. وشدّد بالتالي على ضرورة منح المساعدات المالية للسوريين بعد عودتهم الى بلادهم، وليس في لبنان، الأمر الذي يُشجّعهم على البقاء فيه الى أجل غير مسمّى.

وفي الوقت الذي يتمسّك فيه لبنان بموقفه، على ما تابعت، لا يزال الإتحاد الأوروبي يرفض تسهيل عودة 5 ملايين نازح سوري من دول الجوار وفي طليعتها لبنان والأردن وتركيا والعراق. أمّا الحجّة فهي نفسها التي تتكرّر في كلّ المناسبات والمؤتمرات الدولية، وهي أنّ "الظروف الحالية لعودة آمنة وطوعية الى سوريا غير متاحة بعد". الأمر الذي يجعل "الوجود السوري غير الشرعي" في لبنان مرتبطاً بالحلّ السياسي في سوريا. وهذا لا قدرة للبنان على تحمّله وسط الأزمة الإقتصادية والمالية التي يعيشها، الى جانب الخطورة الأمنية على الشعب اللبناني واللبنانيين من أعمال السرقة والقتل والإغتصاب التي يرتكبها عدد كبير من النازحين السوريين.

وترى الأوساط نفسها أنّ اقتراح وزير المهجرين عصام شرف الدين "تشكيل لجنة ثلاثية بين لبنان وسوريا ومفوضية اللاجئين" من أجل التوصّل الى حلّ لملف النزوح، قد يُشكّل الخطوة الأولى منه. فالتنسيق مع السلطات السورية المعنية مطلوب اليوم، وثمّة وزراء لبنانيين عدّة يزورون سوريا للتشاور في مواضيع عدّة. فما الذي يمنع من طرح ملف النزوح بجديّة على المعنيين فيها لتذليل العقبات التي تحول دون إطلاق مسار العودة؟!

أمّا الداتا التي يُطالب لبنان مفوضية اللاجئين بالحصول عليها، فمن شأنها، وفق الأوساط، تسهيل عملية تنظيم النزوح السوري في لبنان. ويبدو اليوم بوضوح أنّ صفة النزوح قد سقطت عن الكثير من السوريين المقيمين على الأراضي اللبنانية، لا سيما وأنّ معظمهم يعود الى منطقته السورية ساعة يشاء، وفي المناسبات وعطل الأعياد، ومن ثمّ يعود للعيش في الخيم من أجل الإستفادة من تقديمات الأمم فقط... هذه التقديمات التي يُطالب لبنان بوقفها لعدم بقاء السوريين في لبنان بهدف الحصول عليها فقط، إلّا أنّ المفوضية لا تلبّي طلبه، كونها تتلقّى "الأوامر" من السلطات العليا الرافضة للعودة حالياً.

وإذا كانت مفوضية اللاجئين تتحدّث عن وجود 70% من العائلات السورية الموجودة في لبنان لا يحمل أفرادها إقامات، مقابل 9% منها لديها إقامات شرعية، وهو أمر ثابت منذ العام 2019، وحتى يومنا هذا، فإنّ الأوساط عينها أشارت الى أن 80% من مجمل السوريين المقيمين على الأراضي اللبنانية هم نازحون إقتصاديون، أي لا تنطبق عليهم صفة النزوح. وهذا يعني أنّه على الدولة اللبنانية ترحيلهم. في حين أنّ لكلّ من المساجين السوريين وضع خاص يجب دراسته مع الحكومة السورية على حدة.

ولأنّ المفوضية تقوم بما في وسعها لمنع عودة النازحين الى سوريا، على ما عقّبت، فإنّه سيكون على لبنان تسهيل القوافل البحرية الشرعية الى دول العالم، كونه بلد عبور وليس بلد لجوء. ولا يُمكن لأحد بالتالي إلزامه بإبقاء النازحين السوريين غير الشرعيين على أرضه، بل عليه ترحيلهم على الفور، وفق ما تنصّ عليه القوانين والبروتوكولات الدولية التي تتماهى مع القانون اللبناني.

الأكثر قراءة

كارثة عالميّة... خسائر بمليارات الدولارات... عطل تقني أم خرق سيبراني؟ ما هي خطط ترامب إذا عاد إلى البيت الأبيض؟ لبنان لن ينجو من «الرمادية»...ولكنه سيتفادى قطيعة المصارف المراسلة