اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يكن وحيا هبط من السماء، ولا فارسا جاء من خلف الغيوم البيضاء سرج حصانه من حكايات الخيال التي هندستها أحلام الأطفال الأذكياء، ما كان رسولا ولا نبيا لكنه كان صاحب رسالة الى الحياة والكون والفن، وصاحب مدرسة بالقيم والأخلاق، ما كان من روح الله، ولا زائرا مداوما لغار بعيد عن عيون الناس، ما كان راهبا ليصبح قديسا أو مزارا، ولا صالحا ليصبح نبيا يزوره المؤمنين، كان طفلا ذكيا وشابا مقداما ورجلا فوق العاده، وقامة بقامات عديدة، شيد العرزال على قمة مطلة على الكون، وجلب اليه العالم بألوانه وأشكاله وأحجامه وعجنه بمعجن صممه بقواعد استحضرها من تاريخ البلاد وأنشأ صورة لا يمكن ان تمر بخيال فحول العلماء، لم يسع خلف الألقاب لكنها سعت اليه بفخر واعتزاز، لم يتتلمذ على الجندية لكنه كان قائدا فدائيا.

لم يخف من البحر ولا من العواصف البحرية، ولا من أولئك اللصوص الذين ينتظرون طريدة ليصطادوها ويعاقبون بالموت من يخرج عن طاعتهم، ولا من الحيتان الكبيرة التي كانت تنتظره على بعد مئات الأمتار من الشاطئ، لم يكن سمكة تحتال على سمكة أو تنتظر كسرة خبز، صنع سفينته من أخشاب الأرز ونخيل العراق وزيتون الشام وفلسطين وجعل أشرعتها من أعواد الرمان وقضبان الحور والصفصاف، ركبها ومعه من آمن برسالته وسبح بوجه التيار، ترك الحصى الضعيفة على الشاطئ تواجه مصيرها، أخرج الطحالب أبعدها عن الضفاف، واجه العواصف، قطف الزبد الأبيض كسر الأمواج ومشى الى تحقيق إرادة أمته وبلاده.

لم يكن شريانا كان شرايين، لم يكن ساقية كان أنهارا، لم يكن مطرا، كان الغيم المتكون من رطوبة الهواء البحري والهاطل على أرصنا كضفائر الصبايا المتلاصقة.

كان جنونا في زمن الصمت، عاصفة في زمن الصيف، أصوات القوافل في زمن المحل، صهيل الأصايل في زمن القطعان، ينبوع العطاء في زمن الشح، النبت الصالح في مساحات الخواء.

كان المعراج الى الوطن في زمن ساد فيه معراج التسلل الى السلطة والألقاب والسماء، عودة الفرسان الى الميادين بعد غياب دام لقرون من السنين.

كان وضوح الطريق بعد سيادة عتمة الأزقة والزواريب، محطة الاستقبال المعطلة لمحطة الرحيل، مهد الطريق لعودة الابن الضال.

ما شاء أن يكون كرسي الاعتراف ولا أغفر لهم يا أبتاه، ولا حارس بيت المال، ولا الخليفة.

ما شاء ان يكون رقما لأنه كان قيمة بحجم أمة ونظرة بحجم العالم.

يأتي اليه أبناء الحياة عُراة فيتدثرون بفيض إيمانه، والبسطاء فيغتسلون بعرق إدراكه.

تأتي اليه الأقلام الصادقة فتتزود بحبر أفكاره.

كان أنطون سعاده كان سعاده والزعيم، ويبقى سراجا ينير دروب المؤمنين.

في 2 تموز 2024

الأكثر قراءة

كباش بري - جعجع: ما خُفي أعظم!