ندى عبد الرزاق
في لبنان، حيث يتداخل الإيمان والتقاليد الاجتماعية، يصبح الصيام أكثر من مجرد امتناع عن الطعام. إنه تجربة ايمانية غنية بطقوسها الخاصة، حيث يلتقي المسلمون والمسيحيون في رحلة من التوبة والتجدد الروحي. سواء في شهر رمضان المبارك أو في فترة الصوم لدى الطوائف المسيحية، تنبض البلاد بنوع من الطاقة الوجدانية التي تعكس الطابع الجماعي لهذا الشهر الفضيل. ويظهر الصوم، رغم اختلاف مواعيده وأسبابه بين الديانتين، كيف أن هناك نقطة تلاقٍ بين الجميع، رغم التباين في تفاصيل الطقوس.
لكن في خضم هذه الأجواء الروحية، تنتشر العديد من المعلومات المغلوطة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقوم البعض بنقل تجارب شخصية أو نصائح غذائية غير مستندة إلى أسس علمية. هذا التضارب يخلق حالة من الارتباك بين الصائمين، خاصة في ظل الكم الهائل من النصائح الغذائية التي تصدح بها المنصات الرقمية، حيث لا تكاد معلومة تتفق مع أخرى. وفي حين يعتقد البعض أن التغييرات الغذائية خلال الصيام تتعلق فقط بتقليل الطعام أو الامتناع عن نوع معين منه، تكمن الحقيقة في أن الصيام يمكن أن يكون فرصة حقيقية لتطهير الجسم وتحقيق الفوائد الصحية، إذا تم اتباعه بالطريقة المناسبة.
ولإلقاء الضوء على هذه المسائل، تبين "الديار" ما هو مشترك بين الصيامين المسيحي والإسلامي في ما يتعلق بالتغذية، مع التركيز على النصائح التي يقدمها اختصاصيو التغذية لضمان استفادة الصائمين من طاقاتهم الروحية والجسدية. وفي هذا الإطار، تقدّم اختصاصية التغذية، الدكتورة كريستال عوكر، وجهات نظر دقيقة حول كيفية الحفاظ على توازن الجسم أثناء الصيام، مشيرة إلى ضرورة اتباع بعض القواعد الغذائية التي تساهم في دعم الصحة وتفادي التأثيرات السلبية.
رهبة إيمانية وغذاء مماثل
وبينما يتقاطع الصيام في الديانتين على مستوى الروحانية، يكشف الخبراء عن أن هناك ممارسات غذائية متقاربة بين الصومين، مثل التركيز على تناول الأطعمة الطبيعية وتجنب المأكولات المصنعة، إلى جانب ضرورة شرب الماء بكميات كافية. ولعل ما يجعل هذا الموضوع أكثر أهمية هو أن هذه التوصيات الصحية ليست مجرد اقتراحات، بل هي ضرورة لصحة الصائمين خلال هذه الفترة التي تفرض عليهم تحديات غذائية كبيرة.
في هذا السياق، يبدو أن الصيام يمكن أن يتحول إلى فرصة مثالية لإعادة تأهيل الجسم وتنشيطه، إذا ما تمّت مراعاة الإرشادات الغذائية السليمة. وهذا ما تعكف "الديار" على نشره، من خلال تسليط الضوء على الدور الفعّال الذي يمكن أن يؤديه الصيام في تعزيز الصحة البدنية والنفسية للصائمين، دون إغفال ما تحمله هذه التجربة من معانٍ نفسية عميقة.
تعزيز الطاقة
تقول اختصاصية التغذية المتخصصة في الهرمونات، الدكتورة كريستال عوكر، لـ "الديار" إن "الصيام هذا العام مميز لأنه تزامن مع بدء الصيام لدى جميع الطوائف، ويحمل هذا الأمر استبطاناً جوهرياً، إذ يمنح طاقة جماعية جميلة جداً، وإن اختلف توقيت الامتناع عن الطعام. كذلك، كما وحّد الصيام الجميع، يمكن أن يكون لدينا قائمة من المأكولات الموحدة، رغم أن الطوائف المسيحية تمتنع عن الألبان والأجبان واللحوم والدجاج، بينما هذا الأمر غير موجود في رمضان. ومع ذلك، هناك مأكولات يمكن أن تكون حاضرة على المائدة، ما يسمح للفرد بالحصول على الغذاء الذي يحتاج إليه جسمه لاكتساب الطاقة والقدرة على الاستمرار".
تنظيف الجسم
وتشير إلى أن "الصيام، في جميع الأحوال، يمكن أن يكون فرصة لتنظيف الجسم مثل "ديتوكس" إذا طُبّق بطريقة صحيحة، وبالتالي لا يجب أن يتناول الشخص المعجنات والحلويات أو يأكل فوق طاقته أو أكثر من اللازم، فعندئذ يفقد الإمساك معناه وجوهره والغاية المرجوة منه".
وتلفت عوكر إلى أنه "في الصيامين، نوصي بالمحافظة على عدد الوجبات بحيث تتراوح بين 4 إلى 6 حصص، وهذا هو الأفضل. بمعنى آخر، لا نقترح في الطائفة المسيحية الإفطار عند الساعة 12 ظهراً على وجبة الغذاء مباشرة، وإنما تناول وجبة خفيفة أولاً، ثم الإفطار. وهذا الأمر يُطبّق عند المسلمين، بحيث توزّع الوجبات على مراحل، أي تناول وجبة خفيفة، ثم العشاء، وأخيراً السحور. وحتى الإفطار، يمكن تقسيمه على دفعتين، بحيث يفطر الصائم على شوربة أو تمر وماء، ثم يؤدي الصلاة، وبعدها يكمل إفطاره".
الماء
وتتابع "النصيحة الثانية تتمثل في كسر الصيام عبر تناول كمية كافية من الماء، وينصح بأن تكون حرارته دافئة لا ساخنة، أي بين 20 إلى 30 درجة، اذ يساهم في تطهير الجسم، إضافة إلى تأمين السوائل له".
حجب المأكولات المصنّعة
أما النصيحة الثالثة، فهي الابتعاد قدر الإمكان عن كل ما هو مصنّع والعودة إلى الأكل الطبيعي الذي حرص أجدادنا على تناوله، مثل الفتوش والخضراوات على أنواعها، وطهي أصناف مثل ورق العنب مع اللحم أو بدونه، ومحشي ورق الملفوف، والمأكولات التي لا نتناولها عادة، وإن كانت مقلية، مثل الهندباء والسلق مع البصل. وإذا أراد الشخص تناولها مقلية، يُفضَّل اختيار الخضر التي لا يتم استهلاكها عادة للاستفادة من منافعها. لكن في حال القلي، لا ينبغي الاقتراب من السلع المصنّعة. فعلى سبيل المثال، إذا أراد الشخص تناول البطاطا المقلية، يُحبَّذ تحضيرها في المنزل بزيت الزيتون، على ألا يكون الزيت مستخدماً أكثر من مرتين. وإذا اعتُمد زيت نباتي آخر، فلا مشكلة، لكن الأفضل هو زيت الزيتون".
الحمص ومشتقاته بالغ الأثر على مائدة الصيام
وتشجع على "ضرورة وجود الحمص بكل أشكاله على سفرة الصيامين، إذ يمكن إعداد الفلافل المشوية منه، أو تناوله مسلوقاً مع البقدونس والبصل، أو تحضير البليلة بزيت الزيتون، أو الحمص بالطحينة، أو الفتة بطريقة صحية، ويمكن وضع الزبدة لكن بكمية محدودة، مع اللبن والخبز المحمص بدلاً من المقلي. وما لا يعرفه الكثيرون هو أن هذا المكون يعطي إحساساً بالشبع، وينظّم مستوى السكر في الدم، ما يجعل الصائم لا يلتهم كميات كبيرة من الطعام، ويشعر بالطاقة والامتلاء لفترات طويلة. كما انه يشتمل على المغنيسيوم، الحديد، والفيتامينات الأخرى".
الخضر النيئة
وتشدد على "أهمية تناول الخضر النيئة عند الإفطار، سواء في التبولة أو أي نوع آخر من السلطات، لأنها تحتوي على البروتينات والفيتامينات، خاصة حمض الفوليك والـ B9، فضلاً عن الفيتامين C الذي يمنح النشاط، دون أن يُلحق الضرر بالجسم، وقد يكون له تأثير غير مباشر في ضبط مستوى السكر في الدم. ومن المهم أيضاً تناول الخضر أيا كانت مشوية أو مقلية أو مسلوقة، ويمكن أن تكون على هيئة محاشٍ، سواء كان الشخص يمتنع عن تناول اللحوم أم لا. كما يمكن تحضير سلطة الشمندر مع البطاطا المسلوقة أو الجرجير والبقلة، أو شوي البروكلي والباذنجان مع الفطر والبصل، أو إضافتها إلى وجبات اللحم أو الدجاج المشوي. أما الأشخاص الذين لا يتناولون اللحوم، فيمكنهم التركيز على الفطر والبصل لغناهما بالعناصر المغذية. ولا مانع من قلي الخضر مرة أو مرتين في الأسبوع، خاصة للصائم الذي يحتاج إلى ما يغذيه، لا سيما مع الطقس البارد، مثل القرنبيط المقلي أو الحشائش مع البرغل، بشرط ان تكون الخضراوات بأشكالها المختلفة جزءاً من النظام الغذائي".
الاهتمام بالبروتينات
بالنسبة لرمضان، تؤكد عوكر ضرورة "التركيز على البروتينات، والتي يمكن الحصول عليها من اللحوم، خصوصاً على الإفطار. كما يحتاج الممتنع الذي يعتمد على الخضراوات الى فيتامين C، لذا يُفضل إضافة الحامض إلى الفتوش أو شرب الليموناضة لتعزيز امتصاص الحديد ودعم المناعة، كما يجعل البشرة مشرقة، ويساهم في الحفاظ على الوزن".
التمر مفيد في "الصيامين"
وتوضح أن "هناك فئة تعتقد أن التمر مفيد فقط في رمضان، لكن نشجع على تناوله خلال الصيام المسيحي أيضاً، لأنه عند كسر الصيامين، يرفع مستوى السكر في الدم. ولكن من الأفضل تناوله مع حبتين من اللوز، ما يساعد في رفع السكر بمعدل معتدل، ويوفر الطاقة، ليس فقط لاحتوائه على السكر، بل أيضاً لغناه بالمغنيسيوم والحديد، لذا يمكن تناول حبتين منه محشوتين باللوز".
الماء والحركة ضروريان للصائمين
وتشدد عوكر في الختام على "أهمية شرب الماء بكميات كافية بعد الإفطار، وخلال السحور، وقبل النوم. وتنصح الجميع، خصوصاً الصائمين في شهر رمضان، حيث تكون ساعات الإمساك عن الطعام أطول، ولكن مائدتهم أغنى، بضرورة المشي لمدة 15 دقيقة في المنزل، في حال تعذر ممارسة الرياضة لمدة ساعة أو ساعتين. ذلك يساعد في تسهيل عملية الهضم، وتنظيم مستوى الأنسولين والسكر في الدم، وبالتالي تجنب زيادة الوزن. كما أن هذه العادة تقلل من الرغبة في تناول الحلويات".
يتم قراءة الآن
-
سلام يخسر الكباش الاول مع عون : سعيد حاكما للمركزي رئيس الجمهورية يضع النقاط على الحروف قبل لقاء ماكرون ضمانات سعودية لتنفيذ التفاهمات الامنية بين لبنان وسوريا
-
أوراقنا المحترقة في وجه "إسرائيل"
-
ما يُرسم ويُخطط لوجود النازحين في لبنان له علاقة بالوضع الديموغرافي كما في التوظيف السياسي والأمني
-
كيف علق البيت الأبيض على تعيين كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان؟
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:01
رويترز عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب: سأفرض قريبا رسوما جمركية على قطاع الأدوية، وسأكون مستعدا لإبرام صفقات بشأن الرسوم الجمركية.
-
22:36
وسائل إعلام تابعة للحوثيين: 66 غارة استهدفت صنعاء ومحافظات يمنية منذ فجر اليوم.
-
22:36
تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتيا عاما في سوريا.
-
22:33
وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين وغربيين: عملية الجيش اللبناني بطيئة بسبب حجم ترسانة حزب الله، وجيش لبنان أزال منصات صواريخ وأسلحة لحزب الله جنوب الليطاني.
-
22:32
وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين وغربيين: مسؤولون بإدارة ترامب محبطون لبطء تنفيذ اتفاق انتشار الجيش اللبناني جنوبا.
-
22:31
الرئيس جوزاف عون عاد والوفد المرافق إلى بيروت قادماً من باريس حيث أجرى محادثات مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
