اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا ظاهرة لافتة تتمثل في تحويل الصور إلى رسومات كرتونية بأسلوب مستوحى من أفلام Ghibli اليابانية، عبر أدوات ذكاء اصطناعي مثل ChatGPT . بضغطة زر، بات بالإمكان تحويل صور شخصية أو لحظات حياتية إلى مشاهد أنيميشين بأسلوب متقن، وكأنها مأخوذة من فيلم Spirited Away أو My Neighbor Totoro ، ما حوّل التجربة من ترفيه فردي إلى أداة لٍـ "كرتنة" مشاهد سياسية، تاريخية، رياضية، فنيّة، وشخصيات عامة، وأحيانًا بأسلوب تنمّري ساخر. وبلغ انتشار الظاهرة حد استخدامها بمنشورات رسمية، كصورة نشرتها منصة X لحساب البيت الأبيض تُظهر امرأة تبكي أثناء توقيفها.
ما بدأ كلعبة بصرية جذابة، تجاوز التسلية وتحول إلى طقس جماعي رقمي، وظاهرة تستحق التأمل، وكأن كل شخص يصرخ: "أنا أيضًا موجود في هذا العالم الجديد". ما فرض طرح أسئلة جوهرية: من نحن في زمن الصورة المصنّعة؟ كيف نرى أنفسنا حين نُعيد إنتاج ملامحنا بأنماط مستعارة من عالم كرتوني؟ هل نهرب من ثقل الهوية الحقيقية إلى أقنعة منمّقة؟ هل هي موجة ترفيهية، أم نزعة دفينة نحو الجمال المثالي؟ هل هو تمرين لاواعي في بناء هوية رمزية، أم انسلاخ عن الواقع الحسي لصالح عالم رقمي؟ وهل أصبحت علاقتنا بأنفسنا مرهونة بمرآة رقمية تعيد إنتاجنا كما نحب لا كما نحن؟
في موازاة الصور الشخصية، وظّف فنانون ومصممون التقنية لإنتاج أعمال تتجاوز الصور الذاتية. صُممت أغلفة قصص، صور رمزية(Avatars) للأعمال الرقمية، وتحولت المنازل والمقاهي إلى مشاهد أنمي نابضة، ما أعاد طرح تساؤلات حول حدود تمثيل الواقع رقميًا: هل يُعاد تشكيله فنّيًا أم يُسطّح ويُشوَّه تحت قناع "الفن الرقمي"
أثارت هذه التطبيقات مخاوف بشأن تسليع الهوية البشرية وتحويلها إلى منتج رقمي للتداول، وسط غياب تشريعات تنظّم الحق في الصورة والملكية الرقمية. ويُنظر إلى ذلك كنوع من السطو الرمزي على الفن. وفي خطوة أثارت جدلًا، غيّر سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ OpenAI، صورته على منصة X إلى نسخة "غيبيليّة"، ما اعتبره البعض استخفافًا بالفن الأصلي ومصادقة ضمنية على انتهاك الإرث البصري لـ Ghibli، من بينهم Ben Zhao، مطوّر أداة Glaze.
لاقت الظاهرة انتقادات فنية وأخلاقية، إذ وصفها الشاعر الهندي Sharma بأنها "محزنة" بسبب غياب الوعي بطبيعة العملية الإبداعية مقابل الاستهلاك الفوري. وكان Miyazaki، مؤسس Studio Ghibli، قد رفض في 2016 إدماج الذكاء الاصطناعي في الفن، واصفًا ذلك بـ"إهانة للحياة". وتزايدت الدعوات لمقاضاة شركة OpenAI بتهمة استخدام محتوى فني دون إذن لتدريب نماذجها.
غير أن المدهش لا يقتصر على الانتشار الواسع للظاهرة، بل يتعدّى إلى ما تكشفه من أبعاد رمزية، نفسية، اجتماعية، أخلاقية، فلسفية وإعلامية، ما يضعنا أمام سؤال مركزي: من نكون في زمن تُعاد فيه صياغة الهوية عبر خوارزميات؟
من منظور علم النفس الرقمي، تُعبّر ظاهرة "كرتنة الصور" عن نزعة نفسية وثقافية تُعرف بـ"بناء الذات الرقمية"، حيث يعيد الأفراد تشكيل صورتهم بما ينسجم مع رغباتهم، ضمن ما يُعرف بـ"إدارة الانطباع". فسّرت Sherry Turkle هذا السلوك كتعبير عن تعددية الذات في البيئات الرقمية، بينما وصفه Zygmunt Bauman بأنه من سمات "الهوية السائلة" الباحثة عن إشباع لحظي. وتتصل الظاهرة أيضًا بـ"النرجسية الرقمية"، حيث يسعى الفرد لتقدير الآخرين من خلال صورة مثالية لا تعكس حقيقته. ويذهب Jean Baudrillard إلى أن هذه الصور قد تحلّ محل الواقع، بينما يرى "جون سويني" أن الفن الكرتوني يعكس ما نرغب أن نكونه. أمّا "بيراردي"، فيؤكد أن الإنسان المعاصر بات يعيش "صور الواقع" لا الواقع ذاته، ما يقود إلى تشظي الهوية وتحويلها إلى بيانات.
من منظور علم الاجتماع الرقمي، تُجسّد "كرتنة الصور" طقسًا جماعيًا يعكس رغبة الأفراد في الانتماء إلى مجتمع بصري. فمشاركة الصور على "الستوري" أو "البروفايل" تحمل رسالة: "أنا حاضر، أواكب، أستعرض". يرى Manuel Castells أن الشبكات الاجتماعية تعيد إنتاج الهوية عبر الرموز البصرية، وتشير Alice Marwick إلى "رأسملة الهوية"، حيث تتحوّل الذات إلى سلعة تُقاس بالإعجابات والمشاهدات، وتصبح الصورة الكرتونية أداة للقبول الاجتماعي.
وتتجلّى هنا "الهوية النرجسية" كما وصفها Christopher Lasch، حيث تهمّ الصورة أكثر من الحقيقة، و"الهوية الأدائية" وفق Erving Goffman، المبنية على أداء أدوار تتماشى مع ثقافة المنصات.
تعمل كرتنة الصور كقناع أنمي جماعي يعبّر عن رغبة لاواعية في الهروب من الواقع. أما لدى Guy Debord، فالمسألة تنتمي إلى "مجتمع الاستعراض"، حيث تتفوّق الصورة على الواقع، وتتحوّل الحياة إلى مشهد مُمسرح تتجدد فيه الهوية مع كل تحديث للصورة.
تندرج كرتنة الصور من منظور دراسات الإعلام والاتصال ضمن ثقافة الصورة والميمات البصرية، حيث تُستخدم الصور كوسيلة تعبير سريعة يمنحها التفاعل معناها لا قيمتها الجمالية. تشير Limor Shifman إلى الميمات كلغة الإنترنت، ويرى Matthew Crawford أننا نعيش في "اقتصاد انتباه" يُصمَّم فيه المحتوى لخطف العين لا لنقل المعنى. تتقاطع الظاهرة مع "تدوير الصورة إعلاميًا"، حيث يُعاد توظيف الصور في سياقات استهلاكية بعد فقدان معناها الأصلي، وضمن ما يسميه Henry Jenkins "ثقافة المشاركة" التي يُعاد فيها إنتاج المعنى عبر الجمهور، وتُنتَج "جماليات جماهيرية" تتجاوز الذائقة الكلاسيكية. وبحسب Stuart Hall، تُصبح الصورة مجالًا للتأويل والتفاوض الثقافي، بينما يرى Baudrillard أنها تنتمي إلى منطق "المحاكاة"، إذ تبدو أكثر واقعية من الواقع وتُستهلك كمنتج بصري سطحي يُشارك أكثر مما يُفكَّر فيه.
من منظور الفلسفة التقنية، تثير كرتنة الصور بالذكاء الاصطناعي أسئلة حول معنى الفن والأصالة حين تُصنع الصور بخوارزميات، إذ يرى Byung-Chul Han أن الجمال الرقمي بات سطحيًا ومفرغًا من الشعور. وفق Martin Heidegger، تتحوّل التقنية من أداة إلى إطار يُقيّد إدراكنا ويُعيد تشكيل علاقتنا بالجمال كبيانات متكررة لا كتجربة أصيلة. أما Simondon، فربط الأدوات الذكية بتحولات في الوجود الاجتماعي والجمالي تدفع لإعادة التفكير في التفاعل الإنساني. ويؤكد Flusser أن الصور التقنية لا تخلق الواقع، بل تُرمّزه بخوارزميات مغلقة، ما يجعلها أثرًا حسابيًا لا تمثيلًا حرًّا. في ضوء ذلك، يُطرح السؤال: هل ما نراه فن؟ أم نسخة رقمية بلا دهشة إنسانية؟
لم تعد "كرتنة الصور" تجربة رقمية مسلية، بل تحوّلت إلى ظاهرة ثقافية تكشف تحوّلات في علاقتنا بالفن، الهوية، والواقع، محمّلة بتداعيات جمالية ونفسية ومعرفية تستدعي تحليلًا نقديًا. في بعدها الجمالي، تُفرغ الفن من مضمونه، كما أشار Adorno، وتحوّله إلى سلعة بصرية فورية تُنتج لإرضاء العين، لا للتعبير. ما ساهم في تآكل مفاهيم الأصالة والعمق الفني. وتزداد الخطورة حين يُعاد تقديم مشاهد تاريخية أو سياسية بأسلوب كرتوني مُبسّط، يفقدها دلالتها الأخلاقية ويحوّلها إلى محتوى استهلاكي، فيما يشبه "المحاكاة الفائقة" لدى Baudrillard .
كما تُستخدم الكرتنة، وفق نظريةBourdieu ، كأداة للعنف الرمزي ضد شخصيات عامة، إذ تُختزل الصورة إلى مادة للسخرية أو التشويه، وتُوظّف للهيمنة لا للتعبير.
نفسيًا، تعمّق الظاهرة فجوة الهوية بين الذات الواقعية وتلك المحسّنة رقميًا، كما تحذّر Sherry Turkle، فتُكرّس فصامًا هوياتيًا وتشويشًا في تقدير الذات. أمّا اجتماعيًا، تُعزز ثقافة سطحية تُقاس فيها الجاذبية بالصورة لا بالمضمون، وتُهدد الخصوصية مع انتشار تطبيقات تخزّن الصور دون ضمانات. وتتكرّس بذلك رؤية تسويقية للهوية، تُختزل فيها الذات إلى "واجهة قابلة للتعديل"، وتُغذّي المقارنة الرقمية المرضية، ما يفاقم القلق والانفصال عن الواقع.
إنها ليست مجرد صيحة رقمية، بل مرآة لتحوّل عميق في تمثلاتنا الجمالية والهوياتية، وتستدعي، كما يلمّح Byung-Chul Han، وعيًا نقديًا في مواجهة ثقافة الاستهلاك البصري المتسارع.
إن ظاهرة تحويل الصور إلى كرتون، وإن بدت ممتعة وسطحية، ليست موجة رقمية عابرة، بل مؤشر على تحوّل ثقافي يعيد تشكيل علاقتنا بالذات، بالفن، وبالتمثيل البصري. إنها تفتح الباب أمام أسئلة وجودية حول الهوية، الصدق، والصورة: هل سيأتي يوم لا نعرف فيه ملامحنا الأصلية؟ هل نتحوّل إلى كائنات رقمية لا ترى نفسها إلا عبر فلاتر؟ هل نعيد تشكيل أنفسنا حتى ننسى حقيقتنا؟ هل تتسع الفجوة بين ما نحن عليه وما نبدو عليه في أعين الخوارزميات؟ هل ما نراه على الشاشة انعكاس لذواتنا... أم قناع رقمي نخفي به هشاشتنا؟ هل يمكن لفن مولَّد آليًا أن يعبّر عن التجربة البشرية، أم أنه صورة بلا روح؟ هل نتحوّل تدريجيًا إلى نسخ رمزية؟ هل نكفّ عن الظهور الحقيقي لصالح نماذج مُجمّلة؟
في عصر تُعاد فيه صياغة الحقيقة لتناسب الشاشة، هل نرى أنفسنا كما نحن، أم كما ترغب الخوارزمية أن نبدو؟
وهل ما نراه هو نحن... أم من تمنينا أن نكون؟
يتم قراءة الآن
-
من يدفع أميركا الى الجحيم؟
-
تهويل يسبق زيارة أورتاغوس... فهل تصمد «اللاءات» اللبنانية؟ باريس تخشى الفوضى وتحاول تخفيف الضغوط الأميركية رهان على «تدوير الزوايا» وعدم حشر لبنان بمهلٍ زمنية؟
-
العهد يصطدم بالضغوط الأميركية المعرقلة للتفاهم الداخلي لبنان امام مأزق تاريخي: اما نزع سلاح المقاومة او الحرب
-
الدراّج اللبناني رفيق عيد: سأشارك في جميع مراحل بطولة العالم للراليات الصحراوية (باها) للعام الجاري
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:22
المتحدث باسم الكرملين: لا خطط لمحادثة بين بوتين وترامب في الأيام القادمة
-
12:56
الجيش اللبناني: سنقوم بتفجير ذخائر غير منفجرة وقنابل عنقودية من مخلفات العدوان الإسرائيلي في حقل القليعة - مرجعيون ما بين الساعة 12.45 والساعة 19.00
-
12:19
رئيس مجلس النواب نبيه برّي يستقبل في هذه الأثناء وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي في عين التينة
-
11:56
وزير العدل قدم تصريحاً عن أمواله الى الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد
-
11:30
منصوري: استعدنا العلاقة مع المصارف المراسلة وهذا لا يحدث إلاّ عندما تتأكد المصارف من الإصلاحات إن لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتحقيق الشفافية
-
11:30
منصوري: استطعنا تحييد مصرف لبنان من تداعيات اللائحة الرمادية
