اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تُعد صحة الأمعاء من أبرز الموضوعات التي تشغل الباحثين والأطباء في السنوات الأخيرة، إذ أثبتت الدراسات أنّ التوازن الميكروبي في الجهاز الهضمي يؤدي دورًا أساسيًا في المناعة، والتمثيل الغذائي، والصحة النفسية وحتى الوقاية من الأمراض المزمنة. وفي هذا السياق، تبرز منتجات الألبان كعنصر غذائي مثير للجدل، لما لها من تأثير مباشر في بكتيريا الأمعاء وصحة الإنسان بشكل عام.

من المعروف أنّ منتجات الألبان مثل الحليب، اللبن، الجبنة والزبادي تحتوي على البروتينات، الكالسيوم، الفيتامينات إلى جانب البروبيوتيك في بعض الأنواع المخمرة. هذه العناصر تسهم في دعم نمو البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، مثل بكتيريا اللاكتوباسيلوس والبيفيدوباكتر. وجود هذه البكتيريا يعزز الهضم السليم، يحسّن امتصاص العناصر الغذائية، ويقوي جهاز المناعة في مواجهة الميكروبات الضارة.

غير أنّ تأثير منتجات الألبان لا يقتصر على الجوانب الإيجابية فقط، إذ تختلف الاستجابة بشكل ملحوظ من شخص إلى آخر تبعًا للعوامل الجينية والحالة الصحية. فالأشخاص الذين يعانون من حساسية اللاكتوز، على سبيل المثال، قد يواجهون أعراضًا مزعجة مثل الانتفاخ، الغازات، المغص والإسهال، نتيجة افتقار أجسامهم لإنزيم "اللاكتاز" المسؤول عن تكسير سكر اللاكتوز الموجود في الحليب. هذه الاضطرابات الهضمية لا تقتصر على الانزعاج الجسدي فحسب، بل يمكن أن تؤدي على المدى الطويل إلى خلل في توازن بكتيريا الأمعاء، حيث تتراجع أعداد البكتيريا النافعة وتزداد البكتيريا المسببة للتخمر والغازات، مما ينعكس سلبًا على الصحة العامة والمناعة.

إضافةً إلى ذلك، تؤدي طريقة تصنيع منتجات الألبان دورًا محوريًا في تحديد أثرها بالجسم. فالمنتجات الطبيعية مثل اللبن المخمّر والزبادي الغني بالبروبيوتيك تعمل على دعم الميكروبيوم المعوي وتعزيز التنوع البكتيري، وهو عامل أساسي للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي. أما في المقابل، فإن بعض الأجبان المصنعة أو منتجات الألبان عالية الدسم قد تحتوي على دهون مشبعة، سكريات مضافة، أو مواد حافظة تقلل من فوائدها الغذائية، بل وقد تسهم في زيادة الالتهابات واضطراب التوازن الميكروبي.

كما تشير بعض الدراسات إلى أنّ تناول الألبان المضاف إليها البروبيوتيك يمكن أن يساعد في تحسين الهضم لدى من يعانون من حساسية بسيطة للاكتوز، إذ تعمل هذه البكتيريا النافعة على تسهيل عملية الهضم وتقليل الأعراض. في حين أن الإفراط في استهلاك الألبان الصناعية أو المضاف إليها النكهات والسكريات قد يضر أكثر مما ينفع، إذ يؤدي إلى تغذية البكتيريا الضارة ويزيد من مخاطر السمنة وارتفاع الكوليسترول.

ومن الناحية الصحية العامة، تشير الأبحاث إلى أن استهلاك الألبان بشكل معتدل قد يرتبط بتحسين صحة العظام، تقليل مخاطر ارتفاع ضغط الدم، وتعزيز الوظائف المناعية. في المقابل، الإفراط في استهلاك بعض منتجات الألبان الدسمة قد يسهم في زيادة مستويات الكوليسترول الضار (LDL) ويؤدي إلى مشاكل في الوزن وصحة الأمعاء.

في المحصلة، يمكن القول إنّ منتجات الألبان سلاح ذو حدين: فهي مصدر غذائي غني يدعم صحة الأمعاء إذا استُهلكت باعتدال وباختيار الأنواع المخمرة والطبيعية، لكنها قد تتحول إلى عامل مضر إذا ارتبطت بحساسية اللاكتوز أو الإفراط في الأنواع عالية الدهون والمصنعة. الحفاظ على توازن بكتيريا الأمعاء يبدأ من الوعي باحتياجات الجسم الفردية، والقدرة على اختيار ما يناسبه من أطعمة تدعم الصحة العامة على المدى الطويل.

الأكثر قراءة

عون يُحذر «إسرائيل»... لبنان على طاولة ترامب ــ نتنياهو إنفتاح هام بين لبنان وتركيا... و«لوبي» مُتضرّر يُشوّش