لم يكن أستاذاً في اللاهوت، ولا طبيباً ماهراً يداوي الأمراض، ولا بطلاً شهيراً يؤدّي المهام الخارقة، لكن الله رآه وهو رأى الله "يراه".. من حياته الرهبانية التي لم توصله ليرتسم كاهناً بقرار من السلطة الرهبانية، بل بقي راهباً وأخاً طوالها، وقضاها كرئيس الحقلة في جنائن الأديار التي تنقّل فيها، أعطانا دروساً في القداسة.. ببساطة عيشه ونشاطه، وصلاته وطاعته وصمته ونقاوة قلبه وعمله المتواصل دون كلل أو ملل أو تذمّر، وبترك الدنيا ومجدها الباطل واتباعه تعاليم يسوع المسيح. فقد أظهر لنا من خلال صفاته الحلوة هذه التي ميّزته عن سواه، أنّ كلّ واحد منّا مدعو إلى القداسة من حيث هو... وبعد مماته طبّب عدداً من المؤمنين الملتجئين إليه، فسُجّلت بشفاعته شفاءات عجائبية عديدة (لا تزال تحدث حتى اليوم)، رفعته مكرّماً على مذابح الكنيسة (في العام 2007)، وطوباوياً (في 27 حزيران من العام 2010)، وعلى طريق القداسة (في العام 2025)، حتى إعلانه قدّيساً من قبل الفاتيكان، ليصبح بذلك ربما القديس الرابع من لبنان، بعد القدّيسين شربل ورفقا ونعمة الله الحرديني.
هو يوسف من قرية لحفد في جبيل، المولود في 8 آذار من العام 1889، صغير عائلة اسطفان نعمة وكريستينا البدوي حنا خالد، المؤلّفة من أربعة صبيان: سركيس، نعمة الله. هيكل ويوسف. وفتاتين هما توفيقة وفروسينا. وهو الذي اختار الحياة الرهبانية في سنّ ال 16 بعد وفاة والده بعامين، والذي نذر نذوره بعد سنتين من دخوله دير مار قبريانوس ويوستينا في كفيفان، والذي انتقل إلى الحياة الأبدية في الـ 49 من عمره إثر ضربة شمس قويّة.
بمناسبة عيد الأخ اسطفان ( 1889- 1938) الذي يُصادف في 30 آب، لبّى 50 إعلامياً وإعلامية دعوة الرهبانية اللبنانية المارونية (رهبانية القدّيسين)، وطالب دعاوى القدّيسين الأب بولس قزّي للسير على خطاه في رحلة حجّ دينية لاستكشاف الأماكن المقدّسة التي عاش فيها. وتزامنت الرحلة مع سنة "الرجاء" اليوبيلية، وبدأت من بلدته لحفد حيث ترعرع في بيته الوالدي، وصولاً إلى دير كفيفان حيث ضريحه وجثمانه الذي لا يزال سالماً وطريّاً حتى بعد 87 عاماً على وفاته وانتقاله إلى حضن الآب.
"نبع الغُرَير" المبارك
في لحفد تلك القرية المصلية، مسقط رأس يوسف ( أو الأخ اسطفان نعمة الذي اختار اسمه بعد دخوله إلى الرهبنة تيمّناً باسم شفيع قريته، وهو أول الشهداء، وباسم والده)، حيث نشأ وتربّى على حبّ الطبيعة، والمجبولة أرضها المقدّسة بعرقه، وطأت أقدامنا التربة نفسها. وتباركنا من مياه "نبع الغُرَير" الذي اكتشفه بنفسه في أحد الأيام وهو يرعى الماشية في الحقول المتاخمة لمنزله، بعد أن قاده اليه الغُرَير (وهو حيوان برّي صغير)، وقد حمل اسمه. فقد لاحظ الاخ اسطفان طراوة التربة في المغارة المجوّفة داخل الصخور، فحفر فيها ليتفجّر نبع من المياه العذبة، لا يزال المؤمنون حتى يومنا هذا، يشربون من مياهه المتدفّقة المباركة.
منزل عابق بالقداسة
ووسط الأشجار الخضراء، والطبيعة الخلّابة، نصل إلى بيت قروي حجري، عابق بالقداسة، مؤلف من غرفتين. عاش فيه الأخ اسطفان نعمة مع عائلته المؤلفة من 8 أشخاص، في جوّ عائلي تسوده النعمة والبساطة والتواضع، متربياً على الإيمان والتعلّق بالمسيح. وكانت فترة صمت وتأمّل في طفولة هذا الصبي القديس، وصلاة تلاها الأب قزّي وشارك فيها الوفد الإعلامي. واختصر الراهب في دير عنايا الأب جورج غطّاس حياة الأخ اسطفان بالقول: "كتب الأب أنطونيوس نعمة رئيس الدير، بعد وفاته، ما يأتي: "غادر هذه الفانية نهار الثلاثاء الساعة السابعة مساءً في الثلاثين من آب، الأخ اسطفان نعمة اللحفدي. وكان أخاً عاملاً نشيطاً غيوراً على مصلحة الدير، قوي البنية، سليم الجسم، مسالماً، بعيداً عن الخصومات. قنوعاً، فطناً بالأعمال اليدوية، محافظاً على واجباته ونذوراته، قائماً بما عهد إليه حقّ القيام".
وعن التوقيت الإلهي لتطويب وتقديس الأخ اسطفان، تحدّث الأب قزّي رابطاً إيّاه بخطر بيع المسيحيين لأراضيهم، وهو قدّيس التعلّق بالأرض. وفي الوقت الذي يُفرّط فيه المسيحيون اليوم بأراضيهم ويُشوّهون جمال الطبيعة بالمقالع والكسّارات... يأتي شفيع البيئة، الأخ اسطفان ليقول لنا: "حافظوا على البيئة وعلى الأشجار وعلى المنازل والأرض، وعلى الحيوان وعلى الإنسان وعلى كرامة الإنسان". وأضاف الأب قزّي: "تميّز الأخ اسطفان بعدم نسيان ثلاثة أمور مهمّة في يومه، هي التبشير الملائكي عند قرع جرس الكنيسة السابعة صباحاً وال 12 ظهراً والسابعة مساء. كان يركع هو والفدّان، ويتلو الصلاة. كما كان يختلي في مغارة مار سابا خلال رعي البقرات، ويصلّي فيها على غرار القدّيس شربل في بقاع كفرا". وأمل أن تصبح لحفد بقاع كفرا جديدة من خلال "التبشير الإعلامي".
جثمانه سالم في كفيفان
عاش الأخ اسطفان قانون الرهبانية اللبنانية المارونية وروحانيتها بدقة وأمانة، وتتقّل في خدمته في أدبار عديدة من دير سيدة ميفوق، إلى دير مار أنطونيوس- حوب، ودير مار شلیطا - القطارة، ثمّ دير مار مارون - عنايا، ودير سيدة المعونات - جبيل ودير مار قبريانوس ويوستينا - كفيفان حيث وافته المنيّة.. وفي كفيفان، أقيم القدّاس الاحتفالي بمناسبة عيد الطوباوي، ترأسه النائب العام في أبرشية البترون المارونية المونسينيور بيار طانيوس، ممثلاً راعي الأبرشية المطران منير خير الله، وعاونه رئيس الدير الأب اسطفان فرح والأب بولس قرّي. حضره الوفد الإعلامي إلى جانب عدد كبير من الكهنة وحشد من المؤمنين.
ولفت المونسينيور طانيوس في عظته إلى أنّ الأخ اسطفان كان يُردّد عبارة "الله يراني". وقال: "كنت أعتقد أنّه عليّ أن أخشى من مراقبة الله لي، لكنني اكتشفت بعد ذلك أنّها تعني نظر الرب إليّ وحمايته لي. وهذه الكلمة حملت في قلب الأخ اسطفان شعوراً عميقاً بأنّ الله حاضر معه، يحفظه ويقوده ويرعاه بمحبة ورحمة وحنان. وبهذه النعمة عاش الطوباوي، مجسّداً قداسة الحياة اليومية، قداسة الصامتين العاملين الأمناء للإنجيل، أولئك الذين وصفهم البابا الراحل فرنسيس بـ "القدّيسين الخفيين".
وزار الإعلاميون ضريح الطوباوي، وتباركوا من جثمانه المسجّى أمام الزوّار منذ تاريخ تطويبه. وبدا سالماً لم يفنَ رغم وفاته في 30 آب من العام 1938.. وهي علامة رجاء قوية على قداسته وعلى حضور الله في حياة جميع المؤمنين. شهادة شفاء من العمى وبعد رتبة تبريك عبوات المياه من نبع الغرير وتوزيعها على المشاركين في القدّاس.. كانت شهادة شفاء مؤثرة، تحدّثت خلالها السيدة فيروز عبّود والدة الصبية التي شفاها الأخ اسطفان، منذ 15 عاماً، عن كيف أنّ إيمانها وزوجها بقدرة الله، أدّى إلى شفاء ابنتهما من حالة عمى مؤكدة في إحدى عينيها وهي في العاشرة من عمرها (2010). ثمّ أخبرت كلارا عبود (25 عاماً) وعيناها مغرورقتان بالدموع تفاصيل حادثة الشفاء التي على أساسها فُتح ملف إعلان القداسة، وكيف تمكّنت من استعادة بصرها بعد صلاة والديها، وبعد تطويب الاخ اسطفان بيومين. وقالت: "إني أراكم جميعكم اليوم، وأراكم جيّداً جدّاً".
ثمّ أقيم زياح داخل الكنيسة بذخائر الطوباوي الأخ اسطفان نعمة، شارك فيه الحاضرون، وتباركوا منها. وكان طالب الأب قزّي بإقامة مسيرة وزيّاح كلّ 27 من الشهر في حضور كلارا، لما لهذا التاريخ من أهمية في مسيرة الأخ اسطفان.
الأب قزّي وملف التقديس
في حديث خاص لجريدة "الديار" تحدّث الأب قزّي عن أنّه بصدد تحضير ملف إعلان قداسة الأخ اسطفان نعمة لحمله إلى الفاتيكان. على أن يشمل الأعجوبة الأولى الموثّقة بعد التطويب، والمتمثّلة بشفاء الفتاة كلارا، كونها شهادة حياة. كما سيتمّ اختيار أعاجيب أخرى من أربع أعاجيب حصلت اثنتان منها أخيراً بشفاعة الطوباوي مثل شفاء شاب من السرطان وسيدة من العقم، وأخرى في كندا ويجري توثيقها طبيّاً، لاختيار تلك التي سيتمّ ضمّها إلى الملف، من قبله ومن قبل مجموعة المستشارين من أطباء ولاهوتيين.
وعن المراحل التي يمرّ بها إعلان القداسة، أوضح أنّه بعد التطويب يُعمد الى أعجوبة موثّقة علميّاً وطبيّاً وعقائدياً وكنسياً. وعند حصول هذه الأعجوبة الموثّقة يقدّمها مجمع القدّيسين إلى قداسة البابا، انطلاقاً من الرعية والأبرشية والمطرانية والبطريركية التي رفعتها إلى روما. وبعد انتهاء الدراسات من مجمع القدّيسين والأطباء واللاهوتيين والكرادلة تصل إلى يدّ البابا فيُعلنها أعجوبة. وهكذا يتمّ الاعتراف بالأعجوبة التي على أساسها تُعلن قداسة الطوباوي. وقال: "نحن في بداية طريق ومسيرة التقديس أو ما يُسمّى بمرحلة "شهرة القداسة"، المتمثّلة بجمع الوثائق المرتبطة بالأعاجيب والشفاءات التي حصلت بشفاعة الطوباوي". وبعد هذه المرحلة يتمّ إعلان الطوباوي قدّيساً في الكنيسة الجامعة مباشرة بعد إعلان البابا تاريخ الموافقة على الأعجوبة، وتاريخ الإحتفال بتقديسه في الفاتيكان. فالتقديس يكون في الفاتيكان، في حين أنّ التطويب يكون في بلد الطوباوي.
وطالب من المؤمنين إقامة الصلوات والتساعيات لمرافقته في هذه الدعوى، وصولاً إلى إعلان قداسة الأخ اسطفان. شفاء إحدى راهبات القديسة رفقا
وختم الوفد الإعلامي والأب قزّي يومهم الديني، بزيارة دير مار يوسف جربتا، حيث ضريح القديسة رفقا. وقد شهد هذا الدير أول أعجوبة شفاء للراهبة الأخت مارينا نعمة، من مرض السرطان، وهي ابنة أخ الطوباوي، وإحدى راهبات القديسة رفقا. فقد طلب منها الأخ اسطفان أن تذهب وتغتسل في مياه نهر الغرير، ففعلت وشفيت من مرضها، وشاركت في احتفال إعلانه طوباوياً قبل وفاتها.
يقول الأخ اسطفان "المحبة لا تحتاج إلى عِلم لأنّها من القلب تخرج".. وها هي محبته لله وللذين عايشهم تصنع المعجزات في لبنان والعالم.. على طريق القداسة.
يتم قراءة الآن
-
خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع
-
بالصور: ممثلة أفلام إباحية عالمية من أصول سورية..فمن هي؟
-
العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي
-
الغزو السوري للبنان؟!!
الأكثر قراءة
-
الغزو السوري للبنان؟!!
-
التصعيد الأميركي ــ الإيراني سيّد الموقف المبادرة الفرنسيّة- الألمانية تصطدم بـ «الشروط الإسرائيليّة»!
-
العائلات اللبنانيّة... رحلة في جذور التاريخ (آل الخازن) 1 الخازنيّون عرب غسّانيّون حكموا كسروان بعد عودة فخر الدين من توسكانا من مُراسلات الأمير الى سفير فرنسا : كأنهم إخوتي من لحمي ودمي ومن أبناء مذهبي
عاجل 24/7
-
00:06
ترقبوا نصف نهائي كأس العالم بين فرنسا وأسبانيا الثلاثاء الساعة العاشرة مساء بتوقيت بيروت
-
00:03
تفجير كبير في كونين
-
23:59
"إيه بي سي" عن رسالة ترامب إلى الكونغرس: الضربات على إيران ستكون محدودة ومدروسة ومخططاً لها وسننفذها بأسلوب يهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين
-
23:58
التلفزيون الإيراني نقلا عن الجيش: استهداف سفينة أميركية "معادية" بصواريخ كروز
-
23:53
الجيش الإيراني: استهدفنا أنظمة اتصالات وخزانات وقود ومنظومة باتريوت وبرج مراقبة ومستودع ذخيرة للجيش الأميركي في الكويت
-
23:43
الحرس الثوري الإيراني: دفاعاتنا الجوية أسقطت مسيرة أميركية من طراز إم كيو 1 في مضيق هرمز
