اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تشكل أدوية مضادات الاكتئاب أحد أبرز العلاجات الطبية التي أحدثت تحولاً جوهرياً في مجال الطب النفسي، إذ ساعدت ملايين المرضى حول العالم على استعادة توازنهم النفسي والتغلب على نوبات الاكتئاب والقلق. غير أنّ هذه الأدوية، وعلى الرغم من فعاليتها، ترتبط أحياناً بآثار جانبية معقّدة تمسّ جودة الحياة اليومية، وفي مقدمتها التأثيرات في الصحة الجنسية لدى المرأة. هذا الجانب الدقيق غالباً ما يُهمل في النقاش الطبي أو لا يُعطى حقه من البحث، على الرغم من انعكاساته المباشرة على العلاقة الزوجية والحالة النفسية للمريضة.

إنّ الاستجابة الجنسية عند المرأة عملية معقدة تتداخل فيها عوامل جسدية ونفسية وهرمونية. تعمل مضادات الاكتئاب، وخاصة مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية (SSRIs) مثل الفلوكسيتين والسيرترالين، على زيادة مستوى السيروتونين في الدماغ. ورغم أن ذلك يساعد على تخفيف أعراض الاكتئاب، إلا أن ارتفاع السيروتونين قد يثبط الرغبة الجنسية ويؤثر سلباً في الاستجابة العصبية المسؤولة عن الإثارة والنشوة. النتيجة تكون في شكل ضعف في الرغبة الجنسية، صعوبة في الوصول إلى الذروة، أو حتى جفاف مهبلي يعيق العلاقة الحميمة.

هذا ولا يقتصر الأمر على الجانب البيولوجي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي. فالمرأة التي تعاني من انخفاض الرغبة الجنسية بسبب الأدوية قد تشعر بالارتباك أو الذنب، وقد يتأثر تواصلها العاطفي مع الشريك. وفي حالات أخرى، قد يسبب هذا الأثر الجانبي انسحاباً من العلاقة الحميمة، مما يزيد الضغط النفسي ويؤدي إلى حلقة مفرغة من التوتر والاكتئاب. أما جسدياً، فإن التغيرات الهرمونية والوظيفية الناتجة من الدواء تؤثر بشكل مباشر في الدورة الدموية للأعضاء التناسلية، وهو ما يقلل من الإحساس والإثارة.

ليست جميع النساء متأثرات بالدرجة. فالعمر، والحالة الصحية العامة، والجرعة المستخدمة، ونوع الدواء تؤدي دوراً محورياً. النساء اللواتي يتناولن جرعات مرتفعة أو يتناولن العلاج لفترات طويلة يكنّ أكثر عرضة لتأثيرات سلبية واضحة. كذلك، النساء اللاتي يعانين من اضطرابات سابقة في الرغبة الجنسية قد يشعرن بتفاقم المشكلة مع استخدام مضادات الاكتئاب.

إذا لم تتم معالجة هذه المشكلة، فقد تؤثر سلباً في جودة الحياة الزوجية والعاطفية. فالصحة الجنسية جزء أساسي من الصحة العامة للمرأة، وحرمانها منها أو تراجعها المستمر قد يؤدي إلى فتور العلاقة مع الشريك، وزيادة مشاعر العزلة، وربما تراجع الالتزام بالعلاج النفسي نفسه. بعض النساء قد يوقفن الدواء من تلقاء أنفسهن هرباً من الآثار الجانبية، مما يزيد خطر الانتكاس والاكتئاب مجدداً.

التعامل مع هذه التأثيرات يتطلب تواصلاً صريحاً بين المريضة والطبيب. يمكن للأطباء تعديل الجرعة، أو استبدال الدواء بآخر من فئة مختلفة أقل تأثيراً في الرغبة الجنسية، مثل بعض مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات أو مثبطات إعادة امتصاص النورأدرينالين والدوبامين. كما يمكن إضافة أدوية مساعدة لتحسين الصحة الجنسية أو اقتراح وسائل علاجية غير دوائية مثل العلاج النفسي والسلوكي. من جهة أخرى، يساعد تبني أسلوب حياة صحي، عبر ممارسة الرياضة، تحسين النظام الغذائي، والتقليل من التوتر، في التخفيف من هذه الأعراض.

إلى ذلك، تُعتبر أدوية مضادات الاكتئاب سلاحاً فعالاً في مواجهة الاضطرابات النفسية، لكنها تحمل في طياتها تحديات لا يُستهان بها على مستوى الصحة الجنسية لدى المرأة. التوعية بهذه الآثار، وفتح النقاش حولها بين المريضة والطبيب، يشكلان الخطوة الأولى نحو التوازن بين الفوائد النفسية للدواء والحفاظ على جودة الحياة الجنسية والعاطفية. فالعلاج الناجح ليس فقط في تخفيف الاكتئاب، بل أيضاً في ضمان حياة متكاملة صحياً ونفسياً وجنسياً.

الأكثر قراءة

عون يُحذر «إسرائيل»... لبنان على طاولة ترامب ــ نتنياهو إنفتاح هام بين لبنان وتركيا... و«لوبي» مُتضرّر يُشوّش