اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع بدايات الخريف تمتلئ سماء لبنان بأسراب الطيور المهاجرة، معلنة رحلتها الموسمية عبر هذا البلد الذي يشكل محطة أساسية في مسار عبور ملايين الطيور بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وبين سماء تحلق فيها تلك الأسراب، وأرض تتردد فيها أصوات الرصاص، يتجدد الجدل كل عام حول الصيد البري في بلد الأزمات الذي يجد نفسه أمام معضلة مزدوجة، حيث تقف القوانين المنظمة حبرا على الورق، فيما تفرض الفوضى الميدانية واقعا يهدد التنوع البيولوجي ويدفع بلبنان إلى خانة "الخطر" على الخريطة البيئية الدولية.

وينص القانون اللبناني على تحديد موسم الصيد البري بين 1 ايلول إلى 15 شباط من كل عام، مع السماح بصيد أنواع محددة مثل الحمام البري والسمن والسمان، وحظر صيد الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، لكن الواقع يكشف مشهدا مغايرا، حيث يتحول الموسم إلى ساحة مفتوحة للفوضى، تستهدف فيها مختلف أنواع الطيور المهاجرة، بما فيها اللقالق والبجع والنسور، في خرق صارخ للقوانين والاتفاقيات الدولية.

يشار إلى أن موسم الصيد لهذا العام لم يعلن رسمياً بحسب مصدر من وزارة البيئة الذي أكد "أنّه لم يصدر أي قرار رسمي لفتح الموسم، ما يعني أن الصيد ما زال ممنوعا قانونا، ويعرض مرتكبيه للملاحقة والغرامات والسجن وفقا للمادة 14 من القانون 580/2004 (نظام الصيد البري في لبنان)"، مضيفاً "بحسب ما ورد في القانون الموسم لا يكون مفتوحا دائما بل يحدد تاريخ فتح وغلق الموسم بقرار وزاري بعد اقتراح المجلس الأعلى للصيد البري".

بعض الصيادين يعتبرون الصيد "تراثا شعبيا" ووسيلة ترفيه، لكن الناشطين البيئيين يحذرون من أن استمرار الفوضى يهدد بانقراض أنواع نادرة كانت تعبر لبنان منذ آلاف السنين، ويشوه صورة البلد عالميا، خصوصا أنه يعد من أهم الممرات الرئيسية للطيور المهاجرة.

وفي هذا السياق، يؤكد مؤسس ورئيس "جمعية الأرض – لبنان"، والمنسق والمدرب في مجال التربية البيئية، بول أبي راشد، لـ"الديار"، أن الصيد العشوائي للطيور في لبنان "يعَد من أخطر التحديات البيئية التي نواجهها اليوم، لما له من انعكاسات مباشرة على الطبيعة، وعلى الإنسان، وعلى الغابات والأنظمة الإيكولوجية"، فالطيور، بحسب قوله، ليست مجرد عنصر جمالي، بل ركن أساسي في دورة الحياة بعضها ينظّم أعداد الحشرات الزراعية، وبعضها ينقل حبوب اللقاح وينشر بذور الأشجار، ما يساهم في تجدد الغابات والمراعي.

ويضيف أبي راشد: "القضاء على هذه الطيور يؤدي إلى اختلال التوازن الطبيعي، وزيادة الآفات الزراعية، وتراجع إنتاجية الأراضي، ما يهدد الأمن الغذائي، كما أن الفوضى المصاحبة لهذه الممارسات – من إطلاق نار عشوائي واستخدام أسلحة حربية – تهدد حياة المواطنين، وقد شهد لبنان حوادث إصابات ووفيات بسبب الرصاص الطائش"، مشيرا إلى أن غياب الطيور التي تكافح الحشرات طبيعيا يزيد من احتمالات تفشي الأوبئة والأمراض، ما ينعكس سلبا على صحة الإنسان وسلامة المجتمع.

يشار إلى أن القانون حدد وسائل الصيد الممنوعة كالـ "الدبق" والمخيط والشباك والآلات التي تصدر أصواتا شبيهة بأصوات الطيور، الصيد بالليل، الصيد من الطائرات أو السيارات، استدراج الطيور بصوت، وكل ما من شأنه أن يسهل الإبادة أو الصيد العشوائي.

ويفرض القانون الحصول على رخصة صيد والخضوع لامتحان الصيد في نواد خاصة، ويحدد العقوبات التي تفرض على المخالفين، واعطى لعناصر قوى الامن الداخلي وحراس الاحراج وحراس المحميات الطبيعية الحق في تطبيق احكام قانون الصيد والمراسيم والقرارات وتنظيم محاضر ضبط للمخالفين، وتحفظ هذه القوانين لاصحاب الاملاك الخاصة والبلديات الحق في حظر الصيد على اراضيها.

وأكد أبي راشد إلى أن " الغابات اللبنانية، الضعيفة أصلا أمام الحرائق والتوسع العمراني والتغير المناخي، تعتمد على الطيور في تجددها الطبيعي ومع تراجع أعداد الطيور، تصبح أكثر عرضة للاندثار، وتفقد قدرتها على الصمود في مواجهة التغيرات المناخية".

وشدد أبي راشد على ضرورة إنشاء المجلس الأعلى للصيد البري قائلاً "لم يعد إنشاء المجلس خيارا بل ضرورة وطنية وبيئية عاجلة فهذا المجلس الذي نص عليه القانون 580/2004 لم ينشأ حتى اليوم، رغم كونه الجهة الوحيدة المخولة بتنظيم هذا القطاع، ووجوده يعني وضع مواسم صيد واضحة، تحديد الأنواع المسموح صيدها، مراقبة التطبيق، بما يحفظ حق المواطن في الترفيه المنظم، ويحمي في الوقت نفسه الثروة الطبيعية للبنان، ويعيد له صورته كبلد ملتزم بالاتفاقيات الدولية وحريص على حماية الطيور والطبيعة والإنسان، وتطبيق العقوبات الرادعة على المخالفين، فيما غيابه جعل لبنان يعيش عاما بعد عام في دوامة من الفوضى والاعتداءات على الطبيعة".

وتشير الدراسات البيئية إلى أن لبنان يسجل سنويا كواحد من أبرز بؤر الصيد غير القانوني للطيور في منطقة المتوسط، إذ يقدر عدد الطيور التي تقتل بطرق عشوائية أو مخالفة للقانون بنحو 2.6 مليون طائر سنويا، وتكشف الأبحاث أن حوالى 212 نوعا من الطيور تم توثيق استهدافها في صور منشورة على مواقع التواصل الاجتماعي بين عامي 2011 و2023، بينها 94% من الأنواع المحمية قانونيا، و19 نوعا مصنفا عالميا على لائحة الاتحاد الدولي لحماية الطبيعةIUCN) ) كأنواع مهددة أو قريبة من التهديد الأخطر أن نحو ثلث هذه الأنواع (33%) يعاني أصلا من انخفاض أعداده في أوروبا، ما يجعل لبنان نقطة نزيف إضافية على مسار الهجرة.

ووفق القوائم الرسمية، يضم البلد أكثر من 405 أنواع من الطيور، ما يضعه على الخريطة الدولية كممر رئيسي للهجرة، لكنه في الوقت نفسه يسجل كـ"منطقة ساخنة" للصيد غير القانوني، خصوصا في المناطق الساحلية والشمالية والجبال الشرقية.

يذكر أن لبنان يعتبر من الدول الموقعة على اتفاقية حماية الطيور المهاجرة AEWA) ) واتفاقية التنوع البيولوجي، ما يفرض عليه التزامات واضحة لحماية مسارات الهجرة وضمان استدامة الحياة البرية.

ورغم هذه التعهدات، غالبا ما تسجل خروقات متكررة، وسط غياب الرقابة الجدية والعقوبات الرادعة ويقترح الخبراء حلولا تبدأ بتشديد الرقابة الميدانية، تفعيل دور البلديات والشرطة البيئية، فرض عقوبات فعلية على المخالفين، إلى جانب إطلاق برامج تثقيفية للصيادين حول الأنواع المسموح صيدها، كما يشدد الخبراء على أهمية الاستثمار في السياحة البيئية التي قد تعوض الصيادين عن هوايتهم، عبر تحويل لبنان إلى وجهة لمراقبة الطيور بدلا من اصطيادها.

وبين نصوص قانونية متقدمة وتطبيق شبه غائب، يبقى ملف الصيد البري في بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية وسياسية متراكمة، ملفا "ثانويا" للسلطة، لكنه في جوهره يمس صميم الهوية البيئية والتوازن الطبيعي، فلبنان، الذي يفتخر بكونه محطة أساسية على خريطة هجرة الطيور العالمية، مهدد اليوم بفقدان هذا الامتياز إن لم يتحول من ساحة للفوضى إلى مساحة للحماية والاستدامة.