اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم تعد زيارة رئيس الجمهورية إلى أنقرة، مجرد محطة بروتوكولية في سجل العلاقات الثنائية بين البلدين، مع تحولها وفق قراءة مصادر ديبلوماسية، إلى حدث استراتيجي يضع لبنان في قلب واحدة من أكثر معارك النفوذ حساسية في شرق المتوسط، حيث يقابل هذا التقارب بقلق اسرائيلي متزايد، باعتباره بداية لمسار قد يفضي إلى شراكة تتجاوز الاقتصاد والتجارة، لتطال ملفات الأمن والدفاع وإعادة الإعمار والاستثمار في المرافئ والطاقة، وهي ملفات تصنفها "تل أبيب" من الخطوط الحمر، وفقا لعقيدة أمنها القومي الجديدة.

وترى المصادر، ان "تل أبيب" تخشى من أربع تحولات رئيسية، هي:

- أولاً: اعتبار انقرة لاول مرة ان أمنها القومي حدوده بيروت، في وقت تتزايد فيه التقارير والتقديرات، عن تقارب ايراني - تركي، انعكس تعاونا بين أنقرة وحزب الله، على أكثر من صعيد وملف ليس آخرها التواصل مع النظام السوري الجديد، دون ان ننسى التعاون الامني بين الطرفين، الذي احبط عملية "بايدجر٢" على الاراضي التركية.

- ثانيا: تحول تركيا إلى شريك أساسي في إعادة تأهيل البنية التحتية اللبنانية، وهو ما عرضه رئيس الحكومة خلال زيارته الى انقرة، بما يشمل المرافئ والطاقة والاستثمارات، الأمر الذي يمنح أنقرة موطئ قدم طويل الأمد على الساحل الشرقي للمتوسط.

- ثالثا: احتمال تطوير التعاون العسكري بين بيروت وأنقرة، سواء عبر تدريب الجيش اللبناني أو تزويده بمعدات عسكرية وتقنيات متطورة، وهو ما يحد من احتكار الولايات المتحدة وفرنسا للدعم العسكري المقدم إلى لبنان، حيث يتردد في الكواليس عن امكان تلزيم أنقرة تسليح وتجهيز الجيش، على غرار ما يحصل في سوريا، وهو ما يفسر زيارات وزير الدفاع وقائد الجيش المتتالية الى تركيا.

- رابعا: انتقال التنسيق اللبناني - التركي إلى ملفات ترسيم الحدود البحرية والطاقة، وهو ما قد يمنح لبنان دعماً تفاوضياً أكبر في مواجهة "إسرائيل" داخل شرق المتوسط، خصوصا في حال نجحت الاتصالات بترسيم الحدود البحرية الشمالية للبنان مع سوريا، بمساعدة تركية.

واقع، لا تبدو "تل أبيب" مستعدة للوقوف أمامه متفرجة، اذ تشير المصادر إلى أن "إسرائيل" بدأت عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة، العمل على رسم خطوط حمراء أمام أي تمدد تركي في لبنان، من خلال استخدام نفوذ حلفائها الغربيين، للتشدد في مراقبة أي تعاون عسكري أو أمني محتمل بين بيروت وأنقرة، مع الإبقاء على ملف المساعدات الدولية ورقة ضغط دائمة، ومع إبقاء الساحة الجنوبية تحت ضغط أمني مستمر، بما يحول دون انتقال الأولويات الرسمية إلى مشاريع استراتيجية كبرى مع تركيا، ويجعل الدولة اللبنانية منشغلة بإدارة الأزمات الأمنية والمالية، بدلاً من بناء شراكات إقليمية جديدة.

كما تتجه "تل أبيب" على خط مواز وفقا للمصادر إلى تعزيز تعاونها مع قبرص، التي اقترحتها كمكان بديل لمفاوضات واشنطن، واليونان التي انهت قبل ايام مناورات جوية مشتركة مع سلاح جوها، في محاولة لتشكيل جدار يحد من اتساع النفوذ التركي، خصوصاً في ملفات الطاقة والممرات البحرية، حيث تحتدم المنافسة على النفوذ والثروات.

وتكشف المصادر أن واشنطن نفسها لا تبدو في وارد خوض مواجهة مع الدور التركي في لبنان، ما دام لم يتحول إلى منصة لتغيير التوازنات الأمنية القائمة، أو إلى بديل عن النفوذ الغربي، خصوصا بعد الاتفاق الاخير بين الرئيسين ترامب واردوغان على هامش قمة "الناتو"، التي اخرج روسيا واعاد تركيا الى برنامج الـ "اف-٣٥".

وختمت المصادر بأن النقاش الحقيقي لم يعد حول إذا كان التقارب اللبناني - التركي سيحصل، بل حول حجمه وسقفه والحدود التي سيُسمح له ببلوغها، فـ "إسرائيل" تمتلك القدرة على إبطاء المسار ورفع كلفته السياسية والأمنية، لكنها لا تبدو قادرة على إلغائه بالكامل، أقله على المدى القريب، في ظل شهر العسل الاميركي - التركي، ونجاح "السلطان" في فرض نفسه كدولة ومرجعية حامية للسنة، وتحديدا في لبنان.

فمن يا ترى سيرسم مستقبل لبنان الاستراتيجي أنقرة أم "تل أبيب"؟ الجواب في واشنطن ....

الأكثر قراءة

أجــواء ضـبـابـيــة قـــبل مـفـاوضــات رومــــا جلسة تشريعية الأسبوع المقبل: زيادة الرواتب وإلغاء الإعدام والعفو العام