اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


تُعتبر مسألة الوزن من أبرز القضايا الصحية التي تشغل الأفراد والمجتمعات على حد سواء، وغالبًا ما يُنظر إلى السمنة باعتبارها التهديد الأكبر للصحة العامة. غير أنّ الدراسات الحديثة تكشف جانبًا آخر لا يقل خطورة، وهو النحافة المفرطة التي قد تُعرّض الإنسان لمضاعفات أكثر ضررًا على المدى الطويل مقارنة بالسمنة الخفيفة. فالاعتقاد الشائع بأن النحافة دائمًا علامة صحة ورشاقة لم يعد دقيقًا، بل على العكس، قد يكون مؤشرًا لمشكلات صحية كامنة.

النحافة المفرطة تعني أن يكون مؤشر كتلة الجسم (BMI) أقل من المعدل الطبيعي بشكل واضح، وهو ما يضعف بنية الجسم ويجعله أكثر هشاشة. فالأشخاص الذين يعانون من نقص شديد في الوزن غالبًا ما يفتقرون إلى الكتلة العضلية الكافية، مما يضعف قدرتهم على القيام بالأنشطة اليومية ويزيد خطر السقوط والكسور. كما أنّ نقص الدهون الأساسية في الجسم يؤدي إلى اضطراب في الهرمونات، ويؤثر سلبًا على الخصوبة لدى النساء والرجال على حد سواء.

إحدى أبرز المخاطر التي ترتبط بالنحافة المفرطة هي ضعف جهاز المناعة. فالجسم الذي يفتقر إلى العناصر الغذائية الأساسية لا يستطيع إنتاج كريات الدم البيضاء بكفاءة، ما يجعله أكثر عرضة للالتهابات والأمراض المزمنة. على سبيل المثال، تزداد احتمالية الإصابة بالعدوى الفيروسية والبكتيرية، إضافة إلى بطء التعافي من الإصابات والجروح. في المقابل، تُظهر الدراسات أن السمنة الخفيفة قد لا تكون بنفس القدر من الضرر، بل قد تمنح الجسم أحيانًا احتياطًا من الطاقة يساعده على مواجهة الأزمات الصحية الطارئة.

على عكس ما هو متوقع، النحافة المفرطة قد تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب أكثر مما تفعل السمنة الخفيفة. فقد أثبتت بعض الأبحاث أنّ انخفاض الوزن الشديد يرتبط بضعف في عضلة القلب، واضطراب في ضغط الدم، وزيادة خطر الموت المفاجئ. في المقابل، السمنة الخفيفة غالبًا ما تكون تحت السيطرة إذا ترافقت مع نمط حياة صحي، ونشاط بدني منتظم، وتغذية متوازنة، دون أن تؤدي مباشرة إلى نفس مستوى المخاطر.

هذا ولا يمكن إغفال البعد النفسي للنحافة المفرطة، إذ يعاني أصحابها من ضغوط اجتماعية وشعور دائم بالضعف والوهن، فضلاً عن احتمال تطور اضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي أو الشره المرضي. بينما قد يواجه أصحاب السمنة الخفيفة تحديات اجتماعية مرتبطة بالمظهر، إلا أنّ التأثير النفسي للنحافة المفرطة عادةً ما يكون أشد وطأة بسبب الارتباط المباشر بضعف الصحة الجسدية.

الرسالة الأساسية التي يجب إدراكها هي أنّ الحفاظ على الصحة لا يعني الوصول إلى أدنى وزن ممكن، بل تحقيق توازن يضمن للجسم قوته ومناعته. فالنحافة المفرطة ليست علامة عافية، بل ناقوس خطر يستدعي التدخل الغذائي والطبي، بينما يمكن التعايش مع السمنة الخفيفة ضمن حدود صحية إذا كانت مقرونة بنمط حياة نشط.