اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

يشهد العالم اليوم تصاعدًا مستمرًا في أزمة التغير المناخي، مع تسجيل درجات حرارة قياسية، وارتفاع مستوى البحار، وزيادة شدة الظواهر الجوية المتطرفة مثل الفيضانات، موجات الجفاف، والعواصف الرملية. تؤثر هذه التغيرات بشكل مباشر في الصحة العامة، الزراعة، الاقتصاد، والبنية التحتية، وتفرض على الدول تحديات كبيرة لتقليل الانبعاثات، والتحول نحو الطاقة المتجددة، وضمان الاستدامة البيئية على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، يزداد الضغط على الحكومات والمجتمعات لوضع سياسات فعّالة لمواجهة المخاطر البيئية وتأمين مستقبل آمن للأجيال القادمة.

تأثيرات التغير المناخي في لبنان

في لبنان، بدأت آثار التغير المناخي تتجلى بوضوح على مختلف المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية. فقد شهدت السواحل والسهول الشرقية ارتفاعًا ملحوظًا في درجات الحرارة خلال الصيف، ما أدى إلى تصاعد موجات الحر والجفاف، وزيادة استهلاك الكهرباء والضغط على شبكات الطاقة، مع تفاقم أزمة شح المياه بسبب انخفاض مخزون المياه الجوفية وعدم هطل الأمطار. هذا الواقع يؤثر في جودة المياه المتاحة للاستخدام المنزلي والزراعي على حد سواء، ويجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة.

وفي المناطق الجبلية، تزداد المخاطر الطبيعية مع ارتفاع حالات الانهيارات الأرضية وهطل الأمطار الغزيرة المفاجئة، ما يؤدي إلى فيضانات محلية وتدمير أجزاء من البنى التحتية الحيوية، بما في ذلك الطرق والمباني والأراضي الزراعية. هذه الظواهر تزيد من هشاشة المجتمعات المحلية وتعيق حركة السكان والتجارة، وتشكل تهديدًا للسلامة العامة.

وأيضاً، يواجه القطاع الزراعي اللبناني تحديات مباشرة، إذ بدأت إنتاجية المحاصيل التقليدية مثل الزيتون والعنب تنخفض نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وقلة مياه الري، ما يؤثر في الاقتصاد الريفي ويهدد سبل العيش لمئات الآلاف من المزارعين. كما تتعرض المناطق الساحلية لخطر متزايد نتيجة ارتفاع مستوى البحار، حيث تتآكل الشواطئ وتغمر المياه المالحة الأراضي المنخفضة، ما يؤثر في الصيد والسياحة والموانئ البحرية، ويستدعي خططًا عاجلة للتكيف مع هذه التغيرات.

حزمة السياسات المناخية للبنان

استجابة لهذه التحديات، أطلقت وزارة البيئة اللبنانية مؤخرًا "حزمة السياسات المناخية للبنان" في السرايا، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وبدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تتضمن الحزمة ثلاث استراتيجيات رئيسية: خطة التكيف الوطنية (NAP 2025–2035)، المساهمة المحددة وطنياً المحدثة (NDC 3.0)، والاستراتيجية طويلة الأمد للتنمية منخفضة الكربون (LT-LEDS). تهدف هذه السياسات إلى وضع خارطة طريق شاملة لتقليل الانبعاثات، توسيع استخدام الطاقة المتجددة، وتعزيز التنمية المستدامة.

وأكدت وزيرة البيئة تمارا الزين أن لبنان يساهم بشكل ضئيل في الانبعاثات العالمية لكنه من بين الدول الأكثر عرضة لتأثيرات التغير المناخي. وأشارت بليرتا أليكو من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أهمية استثمار لبنان في الطاقة النظيفة والقطاعات المستدامة لضمان نمو أخضر وشامل.

المناطق اللبنانية الأكثر تأثرًا

تشير الدراسات إلى أن المناطق الساحلية، مثل بيروت وطرابلس وجبيل، معرضة بشكل خاص لارتفاع مستوى سطح البحر وتآكل الشواطئ، ما يهدد القرى والموانئ والمرافق البحرية ويؤثر في النشاط السياحي والاقتصادي. كما تزيد الفيضانات البحرية والعواصف المفاجئة من هشاشة البنية التحتية الساحلية، وتستدعي خطط حماية عاجلة.

أما السهول الشرقية والجبلية، فتواجه تحديات مزدوجة، حيث يزيد ارتفاع درجات الحرارة من حدة موجات الجفاف، في حين تتسبب الأمطار الغزيرة المفاجئة بفيضانات وانهيارات أرضية تهدد القرى والمزارع والطرق، ما يعيق حركة السكان ويؤثر في الأمن الغذائي. هذه الظروف تجعل المجتمعات الجبلية والريفية أكثر عرضة للخسائر الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا في ظل محدودية الموارد.

وفي المناطق الزراعية مثل سهل البقاع، يتركز التأثير على إنتاج المحاصيل الأساسية مثل القمح، الذرة، الزيتون، والعنب، نتيجة قلة مياه الري وارتفاع درجات الحرارة. هذا التهديد لا يقتصر على خسارة الإنتاج، بل يمتد ليؤثر في سبل عيش آلاف العائلات ويزيد الضغوط على الأسواق الغذائية المحلية.

أما المدن الكبرى مثل بيروت وصيدا وصور، فتواجه تحديات مركبة بسبب ارتفاع درجات الحرارة وكثافة السكان، مما يزيد الطلب على شبكات الكهرباء لتشغيل مكيفات الهواء ويضع ضغوطًا إضافية على شبكات المياه، ويزيد أزمة الخدمات العامة.

باختصار، تتوزع تأثيرات التغير المناخي في لبنان بشكل واسع على السواحل، السهول، الجبال، المناطق الزراعية والحضرية، ما يستدعي وضع استراتيجيات متكاملة للتكيف وتخفيف المخاطر على المستويات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.

أخيراً، توضح الأزمة المناخية في لبنان أن التداعيات البيئية لم تعد مجرد تهديد مستقبلي، بل واقع ملموس يؤثر في الحياة اليومية، الزراعة، البنية التحتية، والمجتمعات المحلية. ومع ذلك، توفر حزمة السياسات المناخية الجديدة وإطلاق الاستراتيجيات الوطنية فرصة حقيقية لتعزيز القدرة على التكيف وتقليل الانبعاثات، بما يضمن حماية الموارد الطبيعية وتحقيق نمو مستدام. ويظل التعاون بين الحكومة، المجتمع المدني، والقطاع الخاص أمرًا حيويًا لتطبيق حلول فعّالة، مثل الاستثمار في الطاقة المتجددة، تحسين إدارة المياه، وحماية المناطق الساحلية والزراعية. إن التحرك العاجل والمتكامل سيمنح لبنان فرصة للحد من الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، ويضمن للأجيال القادمة بيئة أكثر أمانًا واستدامة.

الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع