في عالم يئن تحت ثقل الأزمات الاقتصادية والبيئية، يبقى هدر الطعام وصمة عار تتكرر يوميا على موائدنا. في اليوم الدولي للتوعية بخسائر وهدر الغذاء، الذي يصادف في 29 أيلول من كل عام، لا يكفي أن نرفع الشعارات أو نكتفي بالتحذيرات العامة، المطلوب مساءلة حقيقية لسلوكنا الفردي والجماعي. كيف يُعقل أن تُرمى أطنان من الأكل الصالح في الحاويات، فيما آلاف العائلات تعجز عن تأمين وجبة أساسية؟ المفارقة أن كثيرين يطرقون أبواب أختصاصيي التغذية، بعضهم يسعى لإنقاص وزنه وبعضهم الآخر لزيادته، لكن القليل فقط يسمع من هؤلاء الاختصاصيين إرشادا حول مصير بقايا الطعام، وكيفية إعادة توظيفها أو توجيهها لمستحقيها. هنا تبرز الحاجة، ليس فقط إلى تعديل العادات الغذائية، بل إلى ثقافة جديدة تجعل من فائض الطعام فرصة للعطاء، لا عبئا يُرمى في النفايات.
الأرقام تبيّن التبذير الفاحش!
لذلك، في وقت يزداد فيه الحديث عن الأمن الغذائي، تكشف الأرقام الأخيرة تناقض صادم: وفقا لتقرير الأمم المتحدة (SOFI 2025) هناك ما يقارب 673 مليون إنسان جائع حول العالم، أي أكثر من 8% من سكان الكوكب. وفي المقابل، تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة 2024 يؤكد أن العالم يهدر أكثر من مليار طن من الطعام سنويا، أي ما يعادل 132 كيلوغراما للفرد، 60% منها في المنازل. هذه ليست فقط أرقاما باردة، بل تعني أن وجبات كاملة تُلقى في القمامة، بينما أكثر من 295 مليون شخص يعيشون مستويات طارئة من الجوع، بحسب التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية (GRFC 2025).
والأثر لا يقف عند حدود البطون الخاوية، بل يتعداها إلى البيئة: الهدر مسؤول عن نحو 10% من الانبعاثات العالمية، وعن خسائر اقتصادية تتجاوز تريليون دولار سنويا. أرقام من هذا الوزن تجعلنا أمام سؤال جوهري: كيف يستمر العالم في إنتاج ما يكفي للجميع، ثم يترك ثلثه يتبخر بين النفايات؟
هدر الغذاء… ثقافة تحتاج
الى تغيير مجتمعي
استنادا الى ما تقدم، تقول الاختصاصية النفسانية والاجتماعية غنوة يونس لـ الديار: "موضوع هدر الغذاء لا يُحلّ بمجرد القوانين أو الحملات التوعوية، بل يحتاج إلى تغيير حقيقي في الثقافة اليومية. يجب أن تكون هناك توعية واضحة حول متى يمكن التخلص من الطعام ومتى لا، في الكثير من الأحيان نرمي أشياء صالحة للاستعمال، وممكن أن يستفيد منها الآخرون".
وتضيف: "من الضروري أن تتوافر أماكن قريبة في كل منطقة لتجميع الطعام الصالح، لتسهيل وصوله إلى الأشخاص أو الجمعيات التي تحتاج إليه. بهذه الطريقة، نخلق جوا من المشاركة والمسؤولية الجماعية".
وتعلّق على الجهود الحالية: "هناك مبادرات مثل "Lebanese Food Bank" وبعض المحلات التي تعمل على هذا الصعيد، لكن إذا توسّعت هذه المبادرات وتقوّت، سنكون بذلك نرسّخ ثقافة مجتمعية جديدة تقلّل الهدر وتزيد من التضامن".
الصحة العامة مهددة!
من زاوية أخرى، تلفت اخصائية التغذية كاتيا قانصو لـ "الديار": إلى أنّ "هدر الطعام يتجاوز كونه مشكلة اقتصادية وبيئية، ليشكّل أيضا تهديدا مباشرا للصحة العامة". وتوضح: "يُسبّب هدر الطعام مشاكل صحية عامة متعددة، فهو يساهم في سوء التغذية من خلال تقليل توفر الغذاء الصحي والمغذي للمحتاجين، ويزيد من خطر الإصابة بالأمراض ونقص العناصر الغذائية لدى الأطفال والشعوب. وفي المقابل، قد يؤدي الاستهلاك المفرط للطعام المرتبط بهدره، إلى الإفراط الغذائي والسمنة والأمراض المرتبطة بها".
سوء التغذية (Malnutrition)
وتشرح "عندما يُهدر الطعام الصحي مثل الخضار والفواكه والبروتينات، تقلّ إتاحته في الأسواق، ما يرفع أسعار الأغذية المغذية، ويدفع بعض العائلات إلى التوجّه نحو خيارات أرخص ولكن أقل قيمة غذائية، كالأطعمة المعلبة أو الغنية بالدهون والسكر. والنتيجة تتظهّر في عوارض ومشكلات صحية متزايدة متصلة بسوء التغذية".
نقص العناصر الغذائية
وتشير الى أنّ "هدر الطعام لا يقتصر على فقدان الوجبة بحد ذاتها، بل يعني أيضا هدر الموارد التي أُنفقت لإنتاجها. اذ عند هدر الطعام، تُهدر معه الموارد اللازمة لإنتاجه، مما يقلل من توافر الغذاء الصحي والمغذيات الضرورية للأشخاص في جميع أنحاء العالم، وهذا يؤدي إلى سوء التغذية ونقص الفيتامينات والمعادن". مشيرة الى انه "في حين أن كميات كبيرة من الطعام تُهدر يوميا، لا يزال ملايين الأشخاص يعانون من الجوع ويتعرضون لانعدام الأمن الغذائي، حيث لا يتوفر لهم الغذاء الكافي".
ضعف النمو والتنمية
أما على صعيد الطفولة، فتشدّد على خطورة العواقب وتقول "ينشأ من نقص التغذية المزمن الناجم عن هدر الطعام، مشكلات صحية خطرة لدى الأطفال، مثل قصر القامة والهزال، مما يعيق نموهم الجسدي والعقلي ويُعرضهم للأمراض".
الإفراط الغذائي (Overnutrition)
وتكشف أن "وفرة الطعام لدى بعض الفئات تؤدي إلى ممارسات استهلاكية غير صحية، إذ كثيرا ما يشتري البعض أو يطهون كميات أكبر مما يلزم، ثم يتناولون الطعام بدافع "لا نريد أن يضيع"، ما يدفعهم إلى الأكل فوق حاجتهم الفعلية".
وتستهجن التناقض في الظاهرة بالقول: "على الرغم من أنه يُفترض أن يكون الهدر خسارة للغذاء، إلا أنه قد يرتبط أيضا باستهلاك كميات مفرطة، ما يؤدي إلى السمنة والأمراض المزمنة المرتبطة بها. فأحيانا يرتبط مفهوم هدر الطعام بالاستهلاك الزائد، حيث تستهلك الأسر كميات تفوق حاجتها، فتتراكم الأطعمة وتُهدر، وفي الوقت نفسه تساهم هذه الممارسات في مشاكل الإفراط الغذائي".
مفارقة مزدوجة
وتختم قانصوه مؤكدة ان "هدر الطعام يساهم في مشكلتين متناقضتين: فهو يقلل من توفر الغذاء الصحي للمحتاجين مسببا سوء التغذية، بينما يرتبط أيضا بالاستهلاك الزائد والإفراط في تناول الطعام الذي يؤدي إلى السمنة، ما ينعكس سلبا على الصحة العامة".
المونة… إرث الأجداد ودروس للحاضر
من جهتها، تقول الشيف اللبنانية بلقيس عثمان، المتخصصة في صناعة المونة وتدريب الطهاة على تقنيات الطبخ والتسوق الواعي وعدم هدر الطعام: "أجمل ما ميّز حياة أجدادنا أنهم حولوا بقايا الطعام إلى مونة، التي هي في الأساس من ابتكارهم، ويجب أن نتعلم منهم كيفية المحافظة على الطعام وعدم إهداره".
وتوضح لـ "الديار": "أول ما يجب تعلمه هو التسوق السليم، أي عدم شراء كميات كبيرة من الطعام تفوق الحاجة الفعلية. وحتى في المطاعم، من المهم أن نطلب الطعام بما يتناسب مع عدد الأشخاص الموجودين على الطاولة".
وتشدّد على: "أهمية التعامل الواعي مع فائض الطعام في المناسبات الكبرى"، قائلة: "في الأعراس والحفلات، من الأفضل أن يقدم صاحب الدعوة بقايا الطعام إلى الجمعيات أو إلى "بنك الغذاء اللبناني". أما في المطاعم، فيجب على أصحابها توزيع فائض الطعام بدلاً من رميه في النفايات".
تحدٍ ثقافي واجتماعي
بدورها، توضح اختصاصية التغذية كريستال باشي لـ "الديار": "أن تسليط الضوء على قضية هدر الطعام أمر بالغ الأهمية، مؤكدة أن هذا الموضوع يحتاج إلى توعية مستمرة. والبداية تكمن في الثقافة المجتمعية التي تعتبر ان الحديث عن الطعام او توضيبه لأخذه او توزيعه هو امر معيب. لذا، هذه العقلية تحتاج إلى تبديل، ورغم أن بعض التغييرات بدأت، إلا أنها لا تزال محدودة جدا. فحتى أبسط الأمور، مثل الطلب في المطاعم، تظهر هذه المشكلة. اذ كثيرون لا يطلبون أخذ ما تبقى معهم، وهذا يشكل مشكلة كبيرة على عدة مستويات".
وتشير الى أن "الطعام المتبقي لا يقتصر أثره على فقدان الغذاء فقط، بل يزيد حجم النفايات بشكل ملحوظ، خصوصا في ظل غياب ثقافة فرز الفضلات، وعدم استغلال النفايات العضوية".
وتقول: "نضيّع الكثير من الوجبات دون أن يستفيد أحد منها، بينما إذا أخذنا الطعام المتبقي معنا إلى المنزل، نضمن استهلاكه لاحقا، ما يُعد توفيرا ملموسا. فإذا نظرنا إلى الأمور بشكل منطقي، فإن الاحتفاظ بالكميات المتبقية في الأطباق لتناولها لاحقا ، يقلل من الحاجة لشراء وجبة ثانية، ما يخفض الضغط على السوق ويحد من مضاعفة الإنتاج. هذا الأمر يساهم في خفض الأسعار تدريجيا، ويفيد العائلات غير الميسورة في تأمين احتياجاتها الأساسية".
ولرفع الأسعار والاقتصاد نصيب من الهدر!
وتعطي باشي مثالًا واقعيا لتوضيح العلاقة بين الهدر الاقتصادي وسلوك المستهلك: "إذا كان لدي خمسة كيلوغرامات من الأرز وأردت التخلص منها، فسأضطر لاحقا لشراء كمية جديدة لتعويضها. هذا يعني أن الطعام الذي رُمي ذهب هدراً، والأثر لا يقتصر على الفرد فقط بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي، لان كل مصنع يسعّر منتجاته مع احتساب نسبة من الفاقد المتوقع".
وتتابع: "إذا صنع مصنع للأرز مئة شوال يوميا، وسعر الشوال الواحد دولار واحد، فمن المتوقع أن يذهب جزء من هذه الكمية هدراً. السؤال هنا: من سيدفع ثمن الأصناف المهدرة؟ الجواب هو المستهلك. ولكن إذا تصرف الفرد بحكمة وقلّل من الخسارة، فلن يضطر لابتياع كميات إضافية، وبالتالي سينتج المصنع كميات أقل، مما يقلل السعر الإضافي المفروض على المنتج الواحد".
وتختم: "بهذه الطريقة، نخفف العبء على الاقتصاد، ونساهم في خفض الأسعار، مما يمكّن الأسر غير الميسورة من شراء احتياجاتها دون دفع مبالغ إضافية".
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:14
الخارجية المصرية: ندين تكرار الهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين وسلطنة عُمان والأردن
-
17:13
الحرس الثوري الإيراني: سنفرض على الولايات المتحدة المزيد من العجز والفشل في مواجهة تحركاتها العدائية الجديدة
-
17:07
الحرس الثوري الإيراني: أجبرنا الولايات المتحدة على خفض أهدافها الوهمية بداية الحرب لمجرد إعادة فتح مضيق هرمز
-
16:56
رويترز عن بيانات الشحن: عدد ناقلات النفط التي تعبر مضيق هرمز انخفض أمس إلى أدنى مستوى له منذ شهرين
-
16:45
وول ستريت جورنال عن مسؤول: الضربات الأميركية اليوم استهدفت دفاعات جوية ومواقع مراقبة وإطلاق مسيرات بإيران
-
16:43
المتحدث باسم الحرس الثوري: الولايات المتحدة تعرض أمن إمدادات الغاز والنفط العالمية للخطر بتدخلاتها بمضيق هرمز
