في 17 أيلول 2025، وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك هي الأولى من نوعها بينهما، ما يُمثّل زلزالاً جيوسياسياً يهزّ عواصم العالم. هذا الاتفاق هو أول اتفاقية دفاع ملزمة بين البلدين، ويعني حرفياً أن أي اعتداء على إحدى الدولتين يُحتمل أن يُعد اعتداءً مباشراً عليهما معاً، مما يوجب الرد العسكري المشترك.
والسؤال الذي يُدوّي الآن:
ما هي دوافع كل من الرياض وإسلام آباد لعقد هذا التحالف الدرامي؟ وهل ستحصل الرياض أخيراً على مظلة نووية؟ والأهم، ما هي تداعيات هذه الخطوة على الخصوم الكبار: الهند، و "إسرائيل"، وإيران؟
الدوافع
هذا التحالف الدرامي ينبع من دوافع قاسية ومكشوفة لكلا الطرفين: فمن ناحية، تسعى باكستان إلى إنقاذ اقتصادي عاجل؛ حيث إنها رغم قوتها العسكرية (النووية)، تعاني من هشاشة اقتصادية تهدد استقرارها، وبالتالي يمثل الدعم المالي السعودي السخي شريان حياة لها في مواجهة أزمتها والتنافس مع الهند.
ومن ناحية أخرى، فإن الدافع الأكبر للسعودية هو تعزيز الأمن الذاتي في ظل التهديد المتزايد من مسيرات الحوثيين والقلق من إيران. ولعلّ الصدمة الكبرى هي سلوك "اسرائيل" المنفلت وتبادلها الضربات مع إيران، ما وضع دول الخليج في مرمى النيران فعلياً. وقد تصاعد القلق بشدة، بعد الهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر والذي تلاه ضربة إيرانية لقاعدة أميركية على أراضيها؛ الأمر الّذي كشف "الحقيقة المُرّة" بأنّ إيران و "إسرائيل" قادرتان على ضرب دول الخليج، والأهم أنّ الولايات المتحدة " لم تحرّك ساكناً".
ونتيجة لذلك، وبعد فشل المملكة في الحصول على ضمانة أمنية موثوق بها من واشنطن، أصبحت الشِرْكة الاستراتيجية مع باكستان ضرورة قصوى لردع التهديدات الإقليمية وتأمين مصالحها.
تاريخ متقلب: تحالف غير مضمون رغم "معادلة الدعم"
إن الاتفاق لم يكن وليد الساعة، بل كان تتويجاً لعلاقات قديمة بدأت بمعاهدة الصداقة عام 1951، والتي قامت على معادلة بسيطة: أمن باكستان مقابل مال السعودية. ورغم أن المساندة المتبادلة كانت حيوية عبر السنوات – حيث هرعت الرياض لإنقاذ باكستان بمساعدات سخية عام 1998 بعد تجربتها النووية، مقابل وجود عسكري باكستاني شبه دائم لحماية المواقع السعودية – إلا أن هذا الدعم لم يكن التزاماً أبدياً أو محتوماً.
و قد تجسّد هذا التباين عندما رفضت السعودية عام 2023 منح باكستان قرضاً مجانياً واشترطت التزامها بشروط صندوق النقد الدولي؛ وبالمقابل، رفضت باكستان في عام 2015 الانخراط في حرب اليمن، متخوفة من التورط في صراع طائفي إقليمي يمزق استقرارها الداخلي، ومؤكدة على ضرورة عدم استفزاز إيران المجاورة.
إلزامية التحالف والسؤال النووي
هذه التباينات تُبرز أن التحالف القديم لم يكن يوماً تحصيلا حاصلا، مما يثبت أنّ الاتفاق الجديد أشدّ أهمية وإلزامية، وذلك أنه حوّل التحالف من تحالف غير رسمي مشروط إلى اتفاق دفاع مشترك رسمي يُلزم باكستان بالدفاع عن السعودية إذا لزم الأمر. وبمقتضى هذا الإلزام، يُفترض ألا تتمكّن باكستان من اتخاذ مواقف مشابهة لما فعلته في عام 2015، لأن النص المكتوب يربط أمنها مباشرة بأمن المملكة، مما يجعل التزامها بالدفاع عن السعودية أقوى.
وبما ان الاتفاق هو دفاع مشترك، فهذا يعني انه قد يترتب عليه تبعات مباشرة على علاقة السعودية بكل من الهند وإيران. وهنا تأتي علامة الاستفهام الكبرى والمثيرة للجدل: هل سيُلزم هذا الاتفاق باكستان بتوفير مظلة نووية للسعودية؟ أو بعبارة أخرى، هل سيصبح السلاح النووي الباكستاني تحت تصرف الرياض؟
الاجابة عن هذه المسالة ما زالت محاطة بكثير من الغموض خاصة ان كل النصوص المعلنة للاتفاق لا تنص بوضوح على مظلة نووية، كما ان الاتفاق لم يُنشر كاملاً وقد يحوي ملاحق سرية. وقد زادت تصريحات وزير الدفاع الباكستاني، خواجة محمد آصف، الامر غموضا، اذ انه قال مرة إن البرنامج النووي سيكون متاحاً للسعودية "إذا ما دعت الضرورة"، ثم تراجع ليؤكد أنها "ليست مطروحة على الرادار". ومع ذلك، يظل التزام قوة نووية مثل باكستان باتفاق دفاع مشترك مع السعودية تطوراً مهماً بحد ذاته، حتى دون إعلان مظلة نووية صريحة.
الهند القلقة: لماذا ترى نيودلهي الاتفاق خطراً مباشراً؟
تعتبر الهند هذا الاتفاق انتكاسة كبيرة وخطراً مباشراً لعدة اعتبارات محورية. أولاً، يمثل الدعم الاقتصادي السعودي شريان حياة لباكستان الهَشَّة اقتصادياً، مما يمنحها استقراراً داخلياً وقدرة أكبر على تطوير قواتها العسكرية لمواجهة الهند. ثانياً، يهدد التحالف العسكري نفوذ نيودلهي في الخليج؛ حيث يقرّب باكستان من الرياض، مما يضع سنوات من الجهود الديبلوماسية الهندية لتوثيق علاقاتها بدول الخليج في خطر.والأهمّ أن التقارب السعودي-الباكستاني قد يهدد بإضعاف حماس الرياض تجاه مشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق أوسطي-الأوروبي، الذي أطلقته أمريكا كبديل لمبادرة الحزام والطريق الصينية. كما تخشى الهند أن يُستخدم نفوذ باكستان الجديد للضغط على مصالحها الحيوية في الخليج، سواءً في ما يتعلق بالطاقة أو ملايين العمالة الهندية هناك. ورغم أن الهند لن تخاطر بعلاقاتها مع الخليج، إلا أنها قد تضطر إلى توثيق تحالفها بـ "إسرائيل" لتعزيز تفوقها النوعي، وهو ما قد يُعقد علاقاتها الحساسة بإيران (بسبب ميناء تشابهار الاستراتيجي)، الأمر الذي يجبرها على موازنة دقيقة لتفادي دفع طهران نحو المحور الباكستاني-الصيني.
موقف ايران من التحالف السعودي- الباكستاني
اما بالنسبة لايران، فإن تحالف السعودية مع باكستان النووية التي تشترك معها في حدود طويلة هو آخر ما تحتاج اليه طهران، التي حرصت رسمياً على عدم انتقاد الاتفاق ، رغبةً منها في الحفاظ على مسار تقوية علاقاتها مع دول الخليج. داخلياً، يبدو الرأي العام الإيراني منقسماً: فريق يرى الاتفاق إيجابياً لكونه مؤشراً على تراجع ثقة الخليجيين في واشنطن، مما يعد خبراً سيئاً لـ "إسرائيل"، بينما يرى الفريق المتشدد فيه مؤامرة أميركية لزيادة الطوق العسكري حول طهران. في المقابل، من المتوقع أن يدفع هذا الاتفاق طهران نحو تطوير البرنامج النووي كورقة ردع أساسية، وتعميق التعاون مع الصين وروسيا، بالإضافة إلى تكثيف الدعم لشبكاتها الإقليمية في المنطقة.
"اسرائيل" وأميركا: قلق عميق من التحالف الجديد
لا شك في أن تداعيات التحالف سلبية بالكامل على تل أبيب. فالتحالف يضع قيوداً على حرية حركة إسرائيل في أجواء الخليج، ويضعف التفوق العسكري النوعي الذي تضمنه واشنطن لها.
أما بالنسبة لاميركا، فالاتفاق دليل واضح على تآكل ثقة الخليجيين في الولايات المتحدة التي لم تعد تضع في أولوياتها سوى أمن "إسرائيل"، مما يجعل واشنطن تخسر دورها كضامن رئيسي لأمن المنطقة.
في الختام، يمثل الاتفاق السعودي الباكستاني نقطة تحول حاسمة: فهو ليس مجرّد رد فعل لتطورات إقليمية خطرة، بل هو إعلان رسمي لإعادة رسم خريطة التحالفات العسكرية في الشرق الأوسط. من المؤكد أن هذه الخطوة ستُطلق سلسلة من التطورات التي لن تقل خطورة، وستُرغم جميع القوى الكبرى والإقليمية على إعادة تقييم شامل لاستراتيجياتها الأمنية والجيوسياسية.
المستقبل لن ينتظر أحداً، والحكم سيكون قاسياً جدّا على من يخطئ قراءة الخريطة الجديدة…
* أستاذة جامعيّة- باحثة سياسيّة
يتم قراءة الآن
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:18
مستشار المرشد الإيراني: الرد على انتهاك أي بند من بنود مذكرة التفاهم سيكون سريعا وساحقا
-
13:15
مستشار المرشد الإيراني: الولايات المتحدة انتهكت مذكرة إنهاء الحرب بالتسبب في توتر في مضيق هرمز
-
13:08
ألقت "درون" إسرائيلية قنبلة صوتية على حي الرويس في النبطية الفوقا
-
12:49
غارة إسرائيلية استهدفت دراجة نارية بالقرب من مدينة فرح في النبطية الفوقا
-
12:46
هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية: قبطان الناقلة المستهدفة أفاد بوقوع أضرار وأن جميع أفراد طاقمها بخير
-
12:24
"الوكالة الوطنية": توغّل الجيش الإسرائيلي باتجاه أطراف بلدة كفرشوبا في قضاء حاصبيا ترافق مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة المتوسطة والثقيلة
