اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

في البعد التاريخي، لم يكن الإسلام في القوقاز سوى أحد أوجه التمدد الإمبراطوري في فضاء أوراسيا، حيث اختلطت الدعوة الدينية بمشاريع السيطرة والنفوذ. فالمغول، خلال اجتياحاتهم المتلاحقة، أخضعوا معظم مناطق القوقاز وآسيا الوسطى، بينما بقيت موسكو الواحة الوحيدة التي استعصت على الاحتلال، لتغدو لاحقًا نواة البعث الإمبراطوري الروسي عبر مراحله المختلفة: القيصرية، السوفياتية، ثم البوتينية.

ومع الزمن، أصبح الإسلام جزءًا لا يتجزأ من التكوين الثقافي والحضاري لروسيا، وإن لم يكن عنصرًا أصيلًا في نشأتها الأولى. لكن موسكو أدركت باكرًا أن استقرارها الجغرافي والسياسي لا يكتمل دون دمج المسلمين في هوية الدولة الكبرى. وهكذا تحوّل الإسلام من عنصر هامشي إلى ركن حضاري داخل مشروع الدولة الروسية الحديثة، حيث بات يشكّل أحد خطوط التوازن بين المركز والأطراف، ووسيلة للحفاظ على وحدة المجال الأوراسي المتنوع.

عقب تفكك الاتحاد السوفياتي، سعت قوى غربية إلى استغلال التناقضات الدينية والعرقية في الفضاء الروسي، عبر دعم حركات انفصالية ذات طابع إسلامي، لا سيما في الشيشان وداغستان، مستفيدة من إرث "الأفغان العرب" وتجربة الحرب الباردة. غير أن موسكو واجهت تلك الموجة بمزيج من القوة العسكرية والسياسة الثقافية، فظهرت حاجة ملحّة إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والإسلام. ومن هذه الضرورة نشأ خطاب جديد يربط بين الإسلام الوطني والهوية الروسية الجامعة، مقدّمًا المسلمين الروس كجزء أصيل من النسيج الوطني، لا كجماعة دينية على هامشه.

وجاءت حربا الشيشان الأولى والثانية لتشكل نقطة تحوّل مفصلية في هذا المسار. ففي خضم المواجهة، برز رمضان قاديروف كرمز للتحالف بين موسكو والإسلام المحلي، مجسّدًا نموذج "المسلم الروسي" الذي يدافع عن وحدة الدولة ضد الفوضى المدعومة من الخارج. هذا التحالف لم يكن مجرد تسوية سياسية، بل تحوّل إلى إطار جديد للهوية الروسية التي تستوعب الإسلام كمكوّن من مكونات القوة الوطنية.

ومع صعود فلاديمير بوتين، اتخذ هذا الاتجاه بعدًا استراتيجيًا أعمق. فقد أدرك الكرملين أن الإسلام يشكل قوة اجتماعية ورمزية لا يمكن تجاهلها في بناء "روسيا الحضارية"، تلك الفكرة التي أراد بوتين من خلالها مواجهة الخطاب الغربي القائم على ثنائية الديموقراطية والهيمنة. وهكذا بات الإسلام في روسيا ليس مجرد موروث ثقافي، بل درعًا أيديولوجيًا وسياسيًا في مواجهة الغرب، وأداة لتوحيد المكونات الروسية المتعددة تحت راية وطنية جامعة.

في حرب أوكرانيا، برز هذا التحالف بأوضح صوره، إذ شاركت كتائب شيشانية وإسلامية في القتال إلى جانب الجيش الروسي، في مشهد عكس تداخل الهويّة الدينية مع الدفاع الوطني. المسلمون الروس قدّموا أنفسهم كحماة للوطن الروسي ضد ما يرونه غزوًا غربيًا ناعمًا يستهدف قيمهم وتاريخهم المشترك، في مقابل نموذج غربي يُنظر إليه داخل روسيا كرمز للتفكك الأخلاقي والسياسي.

لقد استطاع بوتين عبر هذا المسار أن يعيد صياغة دور الإسلام داخل الدولة الروسية، بحيث لم يعد مجرد مكوّن ثقافي ثانوي، بل أصبح أداة لتثبيت الشرعية وتوسيع هوية روسيا لتشمل فضاءها الإسلامي. بهذا، تحوّل الإسلام الروسي إلى تحالف بين الهوية والدولة، بين العقيدة والوطن، في معادلة معقّدة تمزج الدين بالسياسة دون أن تذيب أحدهما في الآخر.

إن تجربة روسيا في إدارة التنوع الديني، خصوصًا الإسلام، تقدم نموذجًا مغايرًا لتلك المطروحة في الغرب. فهي لا تقوم على مبدأ الفصل الصارم بين الدين والسياسة، بل على مبدأ التداخل الوظيفي الذي يخدم بقاء الدولة المركزية واستقرارها. وفي ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، يبدو أن الإسلام الروسي سيبقى أحد أعمدة هذا المشروع الحضاري الجديد الذي يسعى بوتين إلى ترسيخه في مواجهة الغرب الليبرالي.

المراجع والمصادر:

1. Alexey Malashenko, Islam in Russia: The Politics of Identity and Security, Carnegie Moscow Center, 2013.

2. John O’Loughlin & Gearóid Ó Tuathail, The Political Geography of Conflict and Peace in the North Caucasus, Eurasian Geography and Economics, 2019.

3. Thomas de Waal, The Caucasus: An Introduction, Oxford University Press, 2018.

4. تقارير وكالة تاس الروسية، ومقالات تحليليّة في روسيا اليوم والديار اللبنانية حول الدور الإسلامي في حرب أوكرانيا.

5. خطابات فلاديمير بوتين في مؤتمر "روسيا – العالم الإسلامي"، كازان، 2023. 

الأكثر قراءة

«مـذكرة التــفاهم» كـادت تسـقـط بسبب لبـــنان الجلسة الخامسة للمفاوضات الثلثاء... والعنوان المناطق التجريبيّة