يتحضّر لبنان لمسألة ترسيم أو تثبيت الحدود البريّة بينه وبين كلّ من سوريا و"إسرائيل"، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزّة حيّز التنفيذ، ما قد يُساهم في تجسيد الدولة الفلسطينية على حدود العام 1967، الأمر الذي يُعيد مسألة التفاوض غير المباشر بين دول المنطقة لإعلان الحدود النهائية لكلّ منها.
وتحرّكت بريطانيا أخيراً، بعد فرنسا (في وقت سابق)، فسلّمت وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي، نسخاً من خرائط ووثائق أرشيفية تاريخيّة تعود إلى حقبة الإنتداب، تتعلّق بحدود لبنان مع سوريا، وتتطرّق بعضها لخطوط قرب الحدود مع فلسطين المحتلّة. هذه النسخ صادرة عن الأرشيفات الرسمية في باريس ولندن، وقد قُدِّمت بطلب رسمي إلى لبنان، لتدعيم ملف ترسيم الحدود. واعتبرت وزارة الخارجية هذه الخطوة، جزءاً من توثيق تاريخي مهم لملف ترسيم الحدود البرّية مع سوريا، وذات أثر غير مباشر على المساحات المتداخلة مع "إسرائيل». فما الذي تتضمّنه هذه الخرائط؟ وبماذا تفيد لبنان الذي يملك خرائط ووثائق ومستندات عديدة، تتعلّق بحدوده مع كلّ من سوريا وفلسطين المحتلّة، ومودعة لدى الأمم المتحدة؟
هذه الخرائط الموجودة في أرشيفي لندن وباريس، تعرض خطوطاً إدارية وملاحظات رسمية، على ما تقول أوساط ديبلوماسية مطّلعة، من عهد ما قبل تأسيس دول حديثة في المشرق، وتُستخدم عادة كأدلة وثائقية ضمن عملية تفاوضية أطول. وتسليم لبنان خرائط قديمة، من قبل فرنسا وبريطانيا، لا يغيّر الواقع القانوني للحدود تلقائياً. فالحدود الدولية، غالباً ما تُستتبَع باتفاقات ثنائية، وقرارات أممية، وترسيمات فعلية على الأرض. وفي حالة لبنان، هناك تمييز واضح بين «خطّ الانسحاب» الذي اعتمدته الأمم المتحدة (أي الـ Blue Line) لتثبيت انسحاب قوات الإحتلال، وبين حدود دولية نهائية، تتطلب معاهدات متبادلة أو اعتماداً أممياً من خلال العودة إلى الاتفاقيات السابقة، وإن كانت بعض المعالم قد تغيّرت على أرض الواقع. لذلك، تُعتبر الخرائط الأرشيفية، بحسب الاوساط وثائق تاريخية يمكن الاستناد إليها في المفاوضات على ترسيم الحدود، لكنها ليست بمفردها بديلاً عن اتفاق ترسيم معترف به دولياً، وهي غالباً ما تُترجم نصوص الإتفاقات المعقودة بين دولتين أو أكثر.
وفي ما يتعلّق بالجانب العملي، إنّ الهدف اللبناني من طلب خرائط فرنسية وبريطانية واضح، على ما تلفت الأوساط، وهو: بناء قاعدة وثائقية قوية قبل الدخول في مفاوضات بريّة مع سوريا كما مع "إسرائيل"، أو مواجهة أي طعون إقليمية. فالخرائط المسلّمة إلى لبنان تؤكّد مرجعيتها الغربية من جهة، وتُظهر امتدادات إدارية أو ملاحظات قد تُستخدم للتدليل على نوايا أو ممارسات تاريخية للسلطات المنتدبة من جهة ثانية. كما تُسهِم كذلك في تحديد نقاط مقياس ومراجع للمسح الحديث، لكنها تتطلّب مطابقة تقنية (مسوحات GPS، إشارات طبيعية ثابتة، وخرائط حديثة)، لتصبح قابلة للتطبيق على أرض اليوم.
في موازاة ذلك، كانت أثارت تصريحات الموفد الأميركي توم بارّاك جدلاً واسعاً حول ما قاله عن أنّ خرائط إتفاقية سايكس – بيكو القديمة ليست بالضرورة قاعدة صالحة لحلّ المشاكل المعاصرة، وأنّ المنطقة قد تحتاج إلى «اتفاقيات جديدة» تعكس التحوّلات الأمنية والسياسية، التي أعقبت عقوداً من النزاعات. غير أنّ تسليم كلّ من فرنسا وبريطانيا ما تملكه كلّ منهما في أرشيفهما من خرائط قديمة، يؤكّد على نقض كلام بارّاك، وعلى سعي البلدين إلى دعم لبنان خلال المفاوضات المقبلة حول ترسيم حدوده البريّة.
وتعود الخرائط المقدّمة للبنان إلى كلّ من اتفاقية سايكس- بيكو (عام 1916)، واتفاقية بوليه- نيوكومب المعروفة أيضاً باتفاقية الحدود البريطانية- الفرنسية الموقّعة بين عامي 1920 و1923، إلى جانب اتفاقية الهدنة بين لبنان و"إسرائيل" في 23 آذار من العام 1949، التي تُظهر خط الهدنة بوضوح.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أنّ اتفاقيات الهدنة قد وُقّعت بين "إسرائيل" والدول العربية المجاورة (أي مصر والأردن ولبنان وسوريا) بعد الحرب "الإسرائيلية»- العربية الأولى برعاية الأمم المتحدة. وإنفاذاً للهدنة، وقّعت الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا على الإعلان الثلاثي المنفصل في العام 1950، وتعهّدت خلاله إجراء داخل الأمم المتحدة وخارجها، لمنع انتهاكات الحدود أو خطوط الهدنة...
من هنا، فإنّ الدلالة العملية والسياسية لتسليم لبنان الخرائط، على ما توضح الأوساط الديبلوماسية، تُترجم أولاً بتزويده بوثائق مرجعية رسمية، يمكن استخدامها في عمليات المراجعة التاريخية، أو في مفاوضات مستقبلية حول ترسيم الحدود البرية، أو حتى كأدلة أمام جهات دولية. علماً بأنّ مجرد استلام وثائق قديمة لا يغيّر الوضع القانوني للحدود بمفرده، بل إنّ أي تعديل أو ترسيم نهائي يحتاج إلى اتفاق ثنائي (أو ثلاثي لو شمل أطرافًا أخرى)، أو الى عملية قانونية وتقنية استناداً إلى هيئات دولية (الأمم المتحدة أو لجان فنية مشتركة). فالوثائق تساعد في النقاش، لكنها ليست «قراراً سيادياً» بحد ذاتها، غير أنّ إدخال وثائق أرشيفية من شأنه تعزيز موقف لبنان في المفاوضات، أو قد يفتح مساحة فنية لإعادة النقاش. لكنه في الوقت نفسه، قد يثير الأمر أيضاً ردود فعل سياسية وديبلوماسية من جهات أخرى (مثل سوريا و"إسرائيل"، أو أي فاعلين إقليميين)، لذا يتطلب الأمر معالجة دقيقة وسياسة خارجية محكمة.
ولكي يتقدّم الملف عملياً، تتوقّع الأوساط أن يجري الفحص الفني لأرشيف الخرائط، أي أن يضع فريق فني لبناني (خرائطيون، خبراء أرشيف، قانونيون دوليون) الوثائق تحت مقارنة تقنية مع خرائط أخرى (فرنسية وبريطانية أيضاً، وخرائط الأمم المتحدة وخرائط الاحتلال) لتحديد نقاط التطابق والاختلاف بدقة جغرافية، الأمر الذي يجعل لبنان حاهزاً لفتح قنوات تفاوضية، لتطبيق المعطيات على الأرض أو التوافق على عملية ترسيم مشتركة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
10:02
نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني: يجب محاسبة المتورطين في اغتيال المرشد الأعلى وهو حق للشعب الإيراني
-
10:02
أ.ف.ب عن وزير الخارجية الفرنسي: لن ترفع العقوبات عن #إيران ما لم تتخل عن برنامجها النووي
-
07:47
حرس الثورة: دمرنا في القاعدة مراكز مهمة لإصلاح وصيانة المروحيات ومنشأة طائرات الاستطلاع الإلكترونية من طراز P-8 ومركز قيادة وتحكم الطائرات بدون طيار التابع للجيش الأمريكي
-
07:46
حرس الثورة: قواتنا دمروا بالكامل مخازن الوقود ومنظومة الدفاع الجوي "باتريوت" في قاعدة "علي السالم" الأميركية في الكويت بالإضافة إلى تدمير منظومة رادار استراتيجية من طراز "FPS" في قاعدة "أحمد الجابر"
-
07:45
معاريف": الولايات المتحدة تختار عدم استهداف أهداف قد تدفع الإيرانيين إلى رد غير متناسب وهذا مؤسف
-
07:18
الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا بالصواريخ والمسيرات قاعدة أحمد الجابر بالكويت وقاعدة الأمير حسن الجوية في #الأردن
