أسئلة كثيرة تطرح الآن، أكانت من القريبين من حزب الله أم من البعيدين، وبينهم من لا يمانع، بل يريد ويسعى، لكي يكون لبنان أميركياً وحتى اسرائيلياً، مع ادراكنا أنه لا الوضع الداخلي ولا الوضع الاقليمي ولا الوضع الدولي لمصلحة الحزب، حتى أن رئيس أحد الأحزاب واثق من أن الحزب بات على وشك "السقوط الذاتي"، ودون أن يدري ماذا تعني "الثقافة الكربلائية" للبيئة الحاضنة، أو للطائفة الحاضنة، حين تكون أمام خيار البقاء أو اللابقاء.
لسنا وحدنا في دولة هشة، وتفتقد الحد الأدنى من الرؤية الاستراتيجية. أي من الدول العربية ولو كانت تتقيأ الذهب، وهي فعلاً تتقيأ الذهب، تستطيع أن تحمي حدودها بالرغم من آلاف الطائرات وآلاف الدبابات، لا خطوة واحدة نحو القوة الذاتية، وانما اجترار مروع للماضي القبلي والطائفي. دائماً الدمى في لعبة الأمم، الواقع في اللعبة الأميركية ، وكل ما يحكى عن لاعبين آخرين ذر للرماد في العيون.
في هذا السياق، نعرف أن توم براك من دفع بأسعد الشيباني لزيارة لبنان، ولكن هل هو الذي طلب منه ألاّ يفعل ما يفعله كل المبعوثين العرب والأجانب، أي زيارة الرئيس نبيه بري، اذا أخذنا بالاعتبار ليس فقط التركيبة الطائفية للبلاد، وانما أيضاً مراكز القوة في البلاد. عدم الالتقاء برئيس المجلس النيابي له دلالاته البالغة الحساسية، والبالغة الخطورة، ليفقد تصريح وزير الخارجية السوري "نريد أن نتجاوز كل عقبات الماضي"، أي معنى له. هل هكذا أيها السيد الوزير، الذي لعلك لا تدري كيف كانت علاقة الرئيس بري بالنظام السابق، وهو الذي لم يتلفظ بأي كلمة (ولا حليفه حزب الله) معادية للسلطة الجديدة.
من الأسئلة الكثيرة: لماذا يتمنع الشيخ نعيم قاسم عن التفاوض مع "الاسرائيليين"، وهو الذي يرى أن من خاض الحزب من أجلهم حرباً أتت عليه، وعلى بيئته بالكوارث (وان كنا على بيّنة من أن القتال كان للقضية لا لأي فئة)، يقبلون بخطة دونالد ترامب لـ"السلام الأبدي"، ويتحادثون وجه لوجه مع من كانوا للتو يبيدون شعبهم، ويحول مدنهم وقراهم الى أنقاض؟ الأهم من ذلك لا يعترفون بهم ككائنات بشرية...
استطراداً، هل يستطيع الحزب أن يخوض حرباً أخرى، بذلك الاختلال الهائل في موازين القوى، وبتصدع داخلي ينذر بالحرب الأهلية، ناهيك عن أن أبواباً كثيرة ستكون موصدة في وجه من يتشتتون من الجنوب والبقاع والضاحية؟
لعل الاجابة جاهزة ومنطقية، أي أن ما يجري هو ابدال الحرب العسكرية القاتلة بالحرب الديبلوماسية القاتلة. اذ أين هي الدولة الفلسطينية حين يقول البند العشرون والأخير من الخطة "ستقيم الولايات المتحدة حواراً بين اسرائيل والفلسطينيين، للاتفاق على أفق سياسي لتعايش سلمي ومزدهر". ولكن ألم ينص اتفاق أوسلو على أكثر من ذلك بكثير، ليؤتى بسلطة باهتة تكتفي فقط بالتنديد والاحتجاج على قضم الأراضي واقتلاع السكان أو قتلهم، فيما مقومات انشاء الدولة تتضاءل، بل وتندثر أمام رئيس للسلطة ليته بشخصية أبي الهول؟
ليس لبنان وحده في التيه ، المنطقة كلها في التيه، في حين يجري فعلاً تغيير الشرق الأوسط ومن غزة بأبعاد توراتية، تبعاً لقول سفير الولايات المتحدة في أورشليم (لا في "تل أبيب") مايكل هاكابي، السفير فوق العادة اذا أخذنا بالاعتبار ماضيه السياسي وحتى العقائدي في بلاده. ثم ألم تكن الابادة بالقاذفات والقنابل والأقمار الصناعية الأميركية ، مفاوضات فوق المقبرة؟ أليس هذا مايحدث الآن، ويودون بالقوة أيضاً احداثه في لبنان، وقد باتت الأكثرية جاهزة للتطبيع. أي تطبيع في ظل التفكك الداخلي الرهيب، وبين دولة لا تملك حتى ثمن محروقات لآليات جيشها، أو ثمن طعام لأفراد هذا الجيش الذي يضم أفضل الضباط والجنود، ودولة كل الخزانة الأميركية وكل الترسانة الأميركية مفتوحة على مصراعيها أمامها.
هنا الاستسلام لا السلام. مشكلة الكثيرين فينا، كلبنانيين وكعرب، أننا لآ نقرأ ما هي "اسرائيل" وما هي أميركا، وما العلاقة بينهما. بنيامين نتنياهو قال في الكونغرس، وصفق له الأعضاء 81 مرة في 52 ثانية (بينها 14 مرة وقوفاً)"، لولا اسرائيل لما كنت اسرائيل في الشرق الأوسط". الوقائع تقول لولا أميركا لما كانت "اسرائيل". لا شك أن تغيرا حصل في الرأي العام الدولي حيال البربرية الاسرائيلية الى حد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، التي لا مجال لقيامها في حال من الأحوال، ما دامت النصوص التوراتية وحتى النصوص التلمودية، هي التي تتحكم برؤوس قادة الائتلاف الذين، قال الديبلوماسي المخضرم ريتشارد هاس، "انهم يشبهون العناكب على حائط مهدم"!
لا شك أن لبنان مقبل على اختبار شديد التعقيد وشديد الصعوبة. لكن الفارق كبير بين حاله وحال غزة. على مدى أكثر من عشرة أشهر لا رصاصة واحدة من لبنان، مقابل مئات الغارات الاسرائيلية ومئات الضحايا اللبنانيين. جاهزون لكي نتغير ما دام الشرق الأوسط يتغير (متى تهويد العرب؟). ولكن هل يتغير "الاسرائيلون" بعدما بات مؤكدا أن خطة دونالد ترامب هي لانقاذ الدولة العبرية لا لانقاذ الفلسطينيين؟ لكنها البروباغندا الاميركية التي لا مجال لأي قوة احتواءها.
كشعوب قادرون أن نكون بقوة الفيتناميين والأفغان، في مواجهتنا للغزو الأميركي، أكان بقبعة بقلنسوة "الحاخام" أم بقبعة الكاوبوي. كدول لا تستطيع البقاء الا أن تكون أميركية، أو أن تكون "اسرائيلية"، ولكن الى متى؟ ليتنا نعلم متى يوم القيامة...
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
11:19
رئيس مجلس النواب نبيه بري: أهنئ عبد الحميد عكيل العواك بانتخابه رئيسًا لمجلس الشعب السوري وأتمنى له التوفيق ولسوريا الأمن والتقدم والاستقرار
-
11:15
مفوضة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس: سنناقش اليوم رسائل سنوجهها للتأكيد على أن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً، وحرية الملاحة يجب أن تُحترم وألا تفرض أي رسوم.
-
11:12
"الغارديان":حجم الانتهاكات والموت في السجون الإسرائيلية موثق جيدًا ولكن بين الحين والآخر تظهر صورة تذكّر بسجن أبو غريب بفظاعتها
-
11:12
"الغارديان": الأمر المثير للدهشة هو مدى حدوث ذلك على مرأى ومسمع من الجميع
-
11:12
"الغارديان": ما يجري ليس شذوذًا ولا انحرافًا بل هو عرفٌ راسخٌ ومباركٌ صراحةً من قبل أجيال متعاقبة من السياسيين الإسرائيليين
-
11:11
"الغارديان": في سجون "إسرائيل" أصبح التعذيب والموت أمرًا معتادًا وبالكاد تحاول "إسرائيل" إخفاءه
