يشيع في الولايات المتحدة سماع إشارات متكررة ومتحمسة إلى مفهوم «الثقافة أو الأخلاق أو القيم اليهودية-المسيحية»؛ ولكن أي مراجعة سطحية للإعلام الأميركي ستُظهر أن الجانبين السياسيين يستخدمان هذا المفهوم – إذ يُستحضَر، رغم غموضه، للدفاع عن أجندات سياسية ليبرالية ومحافظة على السواء وبشكل روتيني. ونادراً ما يُتساءل عن هذا الخلط بين اليهودية والمسيحية. واليوم، مع إعادة انتخاب دونالد ترامب لرئاسة الولايات المتحدة، يعاد إحياء مفهوم التقليد اليهودي-المسيحي (Judeo-Christian Tradition) وترويجه كما لم يحدث من قبل، وبما يتمشى مع أجندة بروتستانتية محافظة ومتشددة جداً.
إن التقليد اليهودي - المسيحي هو مفهوم أدى دوراً متغيراً في تشكيل الهوية الدينية الأميركية منذ عشية الحرب العالمية الثانية. لقد اختُرع في الأصل للإشارة إلى الروابط بين اليهودية والمسيحية في العصور القديمة، وبدأ استخدامه، كمصطلح للإشارة إلى الإرث الديني المشترك للغرب، بأقلام مؤلفين يساريين في ثلاثينيات القرن الماضي، وهي فترة أصبح فيها مصطلح «مسيحي» كلمة شيفرة سياسية للفاشية ومعاداة السامية (مثل جبهة الأب جيمس كوغلن المسيحية). شدد البروتستانت والكاثوليك الليبراليون بشكل خاص على وجود التقليد اليهودي-المسيحي للإشارة إلى تضامنهم الروحي مع السكان اليهود المهدَّدين في أوروبا.
خلال الحرب العالمية الثانية، تبنّى المثقفون الليبراليون مصطلح «يهودي-مسيحي» كعبارة شاملة للإشارة إلى البعد الديني لقضية الحلفاء. ولكن كرمز أو معيار، اكتسب المصطلح مكانته الكاملة في السنوات الأولى من الحرب الباردة، عندما استخدمه القساوسة والسياسيون والمعلِّقون لحشد القوى الروحية في أميركا ضد العدو «الشيوعي الملحد». وكما أكد دانيال بولينغ، رئيس «رابطة القساوسة العسكريين للولايات المتحدة»، في مؤتمر الرابطة عام 1951: «نجتمع في وقت يتعرض فيه الإيمان اليهودي - المسيحي لتحديات غير مسبوقة منذ أن غادر إبراهيم أور الكلدانية». وفي العام التالي، في خطاب أمام مؤسسة الحريات، صرّح الرئيس المنتخب دوايت د. أيزنهاور: «شكل حكومتنا لا معنى له إلا إذا كان قائماً على إيمان ديني عميق، ولا يهمني ما هو هذا الإيمان. وبالنسبة إلينا، بالطبع، هو المفهوم اليهودي-المسيحي، ولكنه يجب أن يكون ديناً يقوم على أن جميع الناس خُلقوا متساوين».
إلى جانب دوره في الخطاب السياسي خلال الحرب الباردة، اكتسب التقليد اليهودي-المسيحي مضموناً لاهوتياً على يد راينهولد نيبور وزملائه من التيار الأورثوذكسي الجديد، الذين اعتبروا أن المسيحية تستمد جذورها من التأثيرات «العبرية» أكثر من «الهيلينية». ولم يروا في هذا التقليد مقالات إيمانية محدَّدة أو شرائع أخلاقية بقدر ما رأوه رؤية مشتركة لطبيعة الإنسان المعيبة واحتضاناً للنقد النبوي للمؤسسات الإنسانية وعبادة الأصنام بجميع أشكالها. وقد واجهت هذه النظرة انتقادات من بعض الكاثوليك الرومان، الذين رأوا بحق أنها مرتبطة بالنقد الأورثوذكسي الجديد لفلسفة القانون الطبيعي الكاثوليكي. من جهتهم، انتقد بعض الكتاب اليهود التقليد اليهودي-المسيحي لأنه، في نظرهم، أخضع التميز اليهودي لواقع أوسع، بطبيعته مسيحي. ومع ذلك، لم يخضع هذا التقليد لانتقادات ثقافية مستمرة حتى أواخر الستينيات.
في كتابه «أسطورة التقليد اليهودي-المسيحي» (1969)، أكد الروائي والمحرر آرثر كوهين أن التقليد الوحيد المشترك بين اليهود والمسيحيين كان العداء المتبادَل؛ بل إنه ذهب إلى حد اتهام مؤيدي هذا المفهوم بتمهيد الطريق لمعاداة السامية النازية. وفي الفترة نفسها تقريباً، كانت أصوات من التيار المضاد للثقافة الأميركية المعاصرة تلقي باللوم على التقليد اليهودي-المسيحي في نشر الإمبريالية الروحية الغربية والأخلاق البرجوازية التقليدية؛ لكن في حين تعرَّض هذا التقليد، مثل غيره من رموز الإجماع الأميركي خلال الحرب الباردة، لانتقادات شديدة في حقبة حرب فيتنام، فإنه سرعان ما وجد أصدقاء جدداً بعد سنوات قليلة، هذه المرة في صفوف اليمين الديني المسيحي الناشئ.
وابتداءً من أواخر السبعينيات، استخدمت منظمة «الأغلبية الأخلاقية» التي أسسها القس جيري فالويل لغة «اليهودي-المسيحي» استخداماً واسعاً كجزء من جهودها لتقديم نفسها كمنظمة تضم مؤمنين دينيين من مختلف العقائد بدلاً من كونها منظمة خاصة بالبروتستانت الإنجيليين فقط. وخلال رئاسة ريغان حتى التسعينيات، أصبح مصطلح «يهودي-مسيحي» (وغالباً في عبارة «الأخلاق اليهودية-المسيحية») ميزة خطابية أساسية في التيار المحافظ الاجتماعي الأميركي، حتى مع استبدال منظمة الأغلبية الأخلاقية بـ «الائتلاف المسيحي»، الذي بدا أقل شمولاً دينياً، كأهم منظمة عضوية لليمين الديني. وخطابياً، أصبح المصطلح متبادَل الاستخدام مع «القيم الأسرية التقليدية». أما جوهرياً، فقد بدت دعائمه الرئيسية متمثلة في معارضة الإجهاض وحقوق المثليين. وحيث كان العدو سابقاً هو الشيوعية، أصبح الآن هو العلمانية أو، وفقاً لبعضهم، الإنسانية العلمانية.
مع استمرار التقليد اليهودي-المسيحي في أداء دوره في الجانب المحافظ من حروب الثقافة الأميركية في نهاية القرن العشرين، فقَدَ قدرته على تمثيل الإرث الديني المشترك للبلاد. ولم يكن هذا نتيجةَ استحواذِ اليمين الديني عليه فحسب، بل أيضاً بسبب الوعي المتزايد بوجود المسلمين والهندوس والبوذيين والسيخ وغيرهم من المجتمعات الدينية داخل المجتمع الأميركي. وأصبح يُنظر إلى فكرة أن الولايات المتحدة بلد «يهودي - مسيحي» على أنها إقصائية، تماماً كما بدا مصطلح «مسيحي» كذلك بعد الحرب العالمية الثانية. ووجب توصيف التقليد الديني الغربي بطريقة تشمل المسلمين أيضاً؛ ففي بعض الأوساط الدينية المسكونية، بدأ استبدال مصطلح «يهودي - مسيحي» بمصطلح «إبراهيمي» – وهو مصطلح يعبِّر عن الأصل المشترك لليهودية والمسيحية والإسلام في النبي إبراهيم المذكور في الكتاب المقدس العبري.
وظهرت في الولايات المتحدة كنائس تدعو علناً إلى مبدأ التقاليد اليهودية - المسيحية، في السنوات الأخيرة. ومن بينها كنيسة تسمي نفسها «الكنيسة اليهودية-المسيحية»، وتدّعي أن المسيحيين لا يكونون أوفياء للإيمان إلا إذا اعترفوا بـ «أصولهم اليهودية» وتبنّوها. وتقول: «لقد فقدنا هويتنا، وأساسنا، وكل الغرض من وجودنا، كما غيّرنا رسالة الإنجيل الكتابية (التي تتعلق بالعمل الحقيقي للمسيح في ما يخص إسرائيل) إلى رسالة خلاص فقط. وبقيامنا بكل هذا، أعدنا تشكيل صورة المسيح لتبدو غربية أكثر منها شرق أوسطية. لقد أحللنا الكنيسة محل المجمع، وروما محل أورشليم. لكن بولس يوضح بشكل جلي أننا تم تطعيمنا في إسرائيل وهم يدعموننا، وليس العكس (رومية 11:17-19)». بالنسبة إلى هذه الكنائس، يُعتبر المسيحيون يهوداً بحكم العديد من التشابهات بين ديانتيهم:
ـ نرى الرجال اليهود يرتدون شالات الصلاة، ومعظمها يحتوي طوقاً مطرزاً حوله يشبه الوشاح؛ والكاهن يرتدي ثيابه الطقسية مع وشاح.
ـ يرتدي الرجل اليهودي غطاء رأس يُسمى «كيباه»، والعديد من الرتب الكهنوتية، مثل المونسنيور والبابا أيضاً، يرتدون قبعة الرأس. يطلق اليهود على معلمهم اسم «حاخام»، ونحن نطلق على معلمنا اسم «راعي.»
ـ يستخدم اليهود كتاب صلاة يُسمى «سيدور» لتلاوة صلواتهم، كما يستخدم المؤمنون كتاب صلاة لتلاوة صلواتهم.
ـ يتضمن الطقس العبادي اليهودي قراءة جزء أسبوعي من لفائف التوراة. قبل أيام يشوع، كان تُتَّبع دورة قراءة تستغرق ثلاث سنوات، ثم أصبحت دورة قراءة سنوية. في الكنيسة الكاثوليكية، يقرؤون من المنبر، وما زالوا يستخدمون دورة قراءة تستغرق ثلاث سنوات. كلاهما يقرآن من منصة، وكلاهما يباركان القراء الذين يتقدمون للقراءة.
ـ في أيام يسوع، نقرأ عن السنهدرين، وهي مجموعة من الرجال الذين كانوا يتخذون قرارات بناءً على معتقداتهم. أما الكنيسة الكاثوليكية، فلديها مجلس الكرادلة الذين يجتمعون في روما.
ـ تتضمن العبادة اليهودية التراتيل وأوقات الصيام، والكنيسة الكاثوليكية ترتل تراتيلها أيضاً ولديها أوقات للصيام.
ـ يتلو اليهود صلاة تُسمى «العَميداه»، ونحن نتلو الصلاة نفسها في نسخة مختصرة تُسمى «صلاة الأبانا.»
ـ يصلّي اليهود ثلاث مرات في اليوم، وكانت الكنيسة تقرع أجراس أبراجها وفقاً لتلك الأوقات الثلاثة، لأنهم كانوا أيضاً يصلّون في تلك الأوقات.
ـ يمتلك اليهود الوصايا العشر كقانون أخلاقي، ونحن كذلك.
ـ لديهم طقس المعمودية، والتناول، وأيام الأعياد، وهم يؤمنون بالمسيح، وهي أمور نتشاركها جميعاً.
انتُقد مصطلح «اليهودي-المسيحي» بسبب الإيحاء بوجود قواسم مشتركة أكثر مما هو موجود بالفعل. وفي كتابه «أسطورة التقليد اليهودي - المسيحي»، يشكك عالم اللاهوت والروائي اليهودي آرثر كوهين في ملاءمة المصطلح من الناحية اللاهوتية، ويَفترض أنه كان في الأساس اختراعاً للسياسة الأميركية. وقد وُجهت إليه أيضاً انتقادات من البعض باعتباره يستثني الآخرين أو يهمشهم.
ويبقى السؤال: هل هناك إذاً أي حقيقة في مصطلح «اليهودي - المسيحي»؟ هل المسيحية مشتقة من اليهودية؟ وهل هناك أي قواسم مشتركة بين المسيحية واليهودية؟
عند مراجعة الألفي عام الأخيرة من تاريخ المسيحية الغربية، لا يوجد دليل فعلي على وجود تقليد يهودي-مسيحي؛ ولم يغب هذا الأمر عن انتباه المعلقين المسيحيين واليهود الصادقين.
في كتابه «يسوع الناصري»، عبّر العالم اليهودي الدكتور جوزيف كلاوسنر عن وجهة النظر اليهودية بقوله إن «هناك شيئاً مناقضاً للنظرة العالمية لإسرائيل» في تعاليم المسيح، إذ إنها كانت «تعليماً جديداً لا يمكن التوفيق بينه وبين روح اليهودية»، وتحتوي «بذوراً يمكن أن تتطور مع الوقت إلى تعليم غير يهودي بل حتى معادٍ لليهودية».
وفي الواقع، يرفض معظم اليهود مصطلح «اليهودي-المسيحي» ولا يحبذونه لأنه يَفترض ضمنياً التزام اليهود بالآراء المسيحية، متجاهلاً الفروق الجوهرية ومحواً للتعاليم والتقاليد اليهودية الفعلية لمصلحة مزيج مزعوم يتألف في معظمه من وجهات نظر مسيحية. وقد عبَّر حاخام إسرائيلي عالِم مؤخراً عن استيائه من هذا التعبير كما يأتي: «إذا كانت جميع الأديان صحيحة بالتساوي، فنحن نتحدث عن أمور غير منطقية. إذا كان الأسود أزرق والأزرق أسود، فإن الألوان تفقد معناها. وإذا كان التفاح برتقالاً والبرتقال تفاحاً، فإن مفهوم الفاكهة يحتاج إلى إعادة تعريف. هناك تقليد يهودي وهناك تقليد مسيحي. والسؤال ليس ما إذا كان يمكن دمجهما، بل ما إذا كان بإمكانهما العمل معاً». في الواقع، عندما يفهم المرء الطبيعة الحقيقية لليهودية، يصبح من الواضح أن الديانتين غير متوافقتين تماماً ومتناقضتان في العديد من القضايا الرئيسية. كما يسأل الرسول بولس: «أية شركة للنور مع الظلمة؟» (كورنثوس الثانية 6:14). ما العلاقة بين يسوع المسيح وأولئك الذين يروِّجون التلمود؟
تشوب شعار «اليهودي - المسيحي» أيضاً أوجهُ القصور الآتية:
1ـ مصطلح «اليهودي - المسيحي» ليس عبارة شاملة؛ فهو يستبعد تعاليم وقيم جميع الديانات الأخرى وغير المتدينين، بينما يوحي بتفوق اليهودية والمسيحية. وهذا لا يعكس صورة دقيقة للمجتمع الأميركي التعددي اليوم.
2ـ يُستخدم المصطلح لدعم أجندة اجتماعية رجعية. أولئك الذين يستخدمونه، وغالبيتهم من القوميين المسيحيين، يسعون إلى ترسيخ مجموعة من المعتقدات الأيديولوجية الدينية في القانون لتشمل جميع الأميركيين، بغض النظر عن معتقداتهم. على سبيل المثال، تسعى المهمة المعلَنة للرابطة الوطنية للمشرِّعين المسيحيين إلى «صياغة [قوانين] بناءً على رؤية كتابية للعالم» و "إعادة بناء أساس تراثنا اليهودي-المسيحي".
3ـ يستغل هذا المصطلح مجتمعنا بينما يُسيء تمثيل القيم التي يدعمها معظمنا. يستخدم القوميون المسيحيون مصطلح «اليهودي-المسيحي» لخلق مظهر من الشمولية والعالمية، رغم أن عدد اليهود المؤيدين لأجندتهم قليل جداً. قد يدعم بعض اليهود أجندة اجتماعية محافظة سياسياً، لكن بالنسبة إلى الغالبية العظمى من اليهود الأميركيين (80% أو أكثر)، فإن تقاليدنا اليهودية تدعم حقوق المرأة، وحرية الإنجاب، والمساواة للأشخاص من مجتمع الميم، والسياسات البيئية المستنِدة إلى العلم، والعدالة العرقية، والتعليم العلماني في مدارسنا.
4ـ يدعم اليهود فصل الدين عن الدولة. فمعظم الاستخدامات الحديثة لمصطلح «اليهودي-المسيحي» تهدف إلى تأييد تشريعات أو سياسات سياسية قومية مسيحية، لكن اليهود الأميركيين يدعمون دعماً كبيراً حق التعديل الأول في حكومة علمانية لا تُفضِّل ديناً على آخر، أو الدين على اللادين.
5ـ كمصطلح لاهوتي، يعتمد مصطلح «اليهودي-المسيحي» على ما يُسمى بالنظرة «الإحلالية» أو «الاستبدالية» بين اليهودية والمسيحية. وأعني بذلك أن المسيحية تُعتبر ديانة تجاوزت (السلف البالي وغير ذي الصلة) الذي سبقها، وبالتالي، يُنظر إلى اليهودية الزائدة على الحاجة بطريقة متعالية على أنها شكل ديني قديم عفا عليه الزمن. ومع ذلك، ليس لدى أصحاب المصطلح أي تحفظات بشأن البناء على الأسس اليهودية التوراتية.
6ـ في الولايات المتحدة، من الشائع سماع إشارات متكررة وحماسية إلى مفهوم «الثقافة أو الأخلاقيات أو القيم اليهودية-المسيحية». ومن خلال مراجعة سريعة لوسائل الإعلام الأميركية، يتضح أن هذا المفهوم يُستخدم من كلا جانبي الطيف السياسي، حيث يستدعى هذا المثال الغامض لما يسمى بـ «اليهودي-المسيحي» للدفاع عن الأجندات السياسية الليبرالية والمحافظة بشكل روتيني. نادراً ما يُشكَّك في هذا الخلط بين اليهودية والمسيحية، وغالباً ما يُعتبر ممثلاً لنظام المعتقدات الخاص بمؤسسي أميركا (الذين كانوا في الواقع غير تقليديين إلى حد كبير في عقائدهم الدينية). وعلى الرغم من حضوره الدائم في الخطاب السياسي، فإن مفهوم التقليد اليهودي-المسيحي غريب، وغير دقيق، والأهم من ذلك - خطِر، لأنه يتجاهل حقيقة أن هناك مسيحيين يرون المسيحية تمرداً على اليهودية وليس امتداداً لها، ويحتقرون العهد القديم بينما يتبنون العهد الجديد بشكل كامل.
7ـ تحب الدول ذات الأغلبية المسيحية، وخصوصاً تلك التي تعتمد اللغة الإنكليزية مثل أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن تؤكد أنها تستند إلى نظام قيم «يهودي-مسيحي». ومع ذلك، من الضروري الاعتراف بأن اليهود تعرّضوا تاريخياً للاضطهاد والإقصاء في هذه البلدان. سواء كان ذلك بطردهم من إنكلترا في القرن الثالث عشر، أو قانون الأجانب البريطاني لعام 1905، أو الحد من الهجرة اليهودية إلى هذه الدول حتى بعد الهولوكوست، فإن الأمر واضح تماماً: على مدار معظم التاريخ، تم التعامل مع اليهود عمداً باعتبارهم غير مرحَّب بهم في العالم المسيحي.
8ـ إن إضافة «اليهودي» إلى «المسيحي» تعطي إحساساً زائفاً بالتعددية الثقافية، لأن المشهد الديني في أميركا اليوم، (والغرب بشكل عام) على عكس ثلاثينيات القرن الماضي، أصبح أكثر تنوعاً بكثير من مجرد «بروتستانت، وكاثوليك، ويهود». في الوقت الحاضر، يُستخدم المصطلح لاستبعاد المسلمين والهندوس والبوذيين وأتباع الويكا والملحدين وأعضاء العديد من الديانات الأخرى أيضاً.
9ـ عند فحص التاريخ المسيحي، لا يوجد دليل يدعم فرضية أن المسيحية جذورها في اليهودية. في الواقع، تستمد المسيحية العديد من عاداتها من الوثنية أكثر من اليهودية. فاثنان من أهم الأعياد المسيحية، عيد الميلاد وعيد الفصح، لهما جذور وثنية، وحتى عبادة الأحد هي تقليد وثني، وليست يهودية. وإذا كان الناس بحاجة إلى ربط المسيحية بجذورها، فإن المصطلح المناسب هو «وثني-مسيحي» وليس يهوديا - مسيحيا.
10ـ أشار أحد المؤيدين إلى مفهوم «التقاليد اليهودية-المسيحية» مؤخراً: «نحن لسنا بالضرورة يهوداً عرقياً، ولا نسعى لأن نصبح يهوداً بمعنى ثقافي بقدر ما نحاول ببساطة فهم إيماننا المسيحي والعيش به في سياقه اليهودي الحقيقي. قد نمارس بعض التقاليد اليهودية، واللغة، والطقوس، والتعابير الثقافية التي نجدها مفيدة بشكل خاص أو مجرد تعبيرات جميلة عن علاقتنا العهدية مع يهوه، لكنها ليست ملزمة لنا كوصايا». ويتضح من هذا التصريح أن مؤيدي مفهوم «التقاليد اليهودية - المسيحية» يميلون أكثر نحو يهوه، المسمى إله إسرائيل، بدلاً من يسوع المسيح. فهم يتجاهلون أهمية تعاليم يسوع، أو يقللون منها، وهي في كثير من الحالات، تناقض تعاليم اليهودية القديمة أو تقدِّم رؤية جديدة للحياة.
11ـ يتجاهل مؤيدو مفهوم «التقليد اليهودي - المسيحي» حقيقة أن يسوع المسيح لم يكن نتاجاً حصرياً لحياة يهودية، بل كان نتاجاً للبيئة السورية العامة التي وُلد فيها وترعرع. ومن هنا جاء كتاب إبراهيم متري «المسيح السوري» كمثال على ذلك. على سبيل المثال، تحدّث يسوع بالآرامية، وهي اللغة الوطنية لسوريا في ذلك الوقت، بدلاً من العبرية.
12ـ يتجاهل مؤيدو مفهوم «التقليد اليهودي - المسيحي» الاعتراف، سواء عن عمد أو بشكل غير مسؤول، بأن التوافق بين اليهودية والإسلام أقوى بكثير من التوافق بين اليهودية والمسيحية، خاصة في ما يتعلق بالتقاليد الشفوية. ومع ذلك، يختارون تجاهل الإسلام أو اعتباره نقيضاً للديانتين الإبراهيميتين الأخريين. وفي الواقع، تمتلك اليهودية مزيداً من التوافق العقائدي مع الإسلام أكثر من المسيحية. التوحيد غير الثالوثي لله، رفض أي تجسد باعتباره وثنياً، الحاجة إلى اتباع القوانين الواردة في الكتب المقدسة الخاصة بكل دين، وهكذا، فإن محمد أشبه بنبي يهودي أكثر من يسوع، أو أي شخص آخر في العهد الجديد المسيحي.
13ـ يستنكر مؤيدو التقليد اليهودي-المسيحي إدراج الإسلام لأنهم يعتقدون أن اليهودية والمسيحية قد شكلتا الإعدادات الثقافية لأوروبا، بينما كان الإسلام خارج هذا التطور. بالمقابل، يجادل آخرون من أجل الإدراج على أساس أن الديانات الثلاث تدّعي التوحيد وتشارك في العديد من المعتقدات والتقاليد المشتركة. يؤمن المسيحيون بالإنجيل، بينما يؤمن اليهود بالتوراة فقط (وليس بالإنجيل ولا يعترفون بيسوع)، بينما يؤمن المسلمون بالتوراة، والإنجيل، وبيسوع. كما يجادلون في أن الإسلام كان تأثيره كبيراً في إخراج أوروبا من العصور المظلمة إلى عصر التنوير، من خلال الثقافة والعلوم التي تعلمها الأوروبيون من المسلمين في تلك الفترة.
14ـ لا يأخذ مؤيدو تقليد «اليهودية - المسيحية» في اعتبارهم التناقضات بين أسلوب حياة اليهود والمسيحيين. وهناك حالة واضحة في هذا السياق هي مسألة الإجهاض. الموقف اليهودي من الإجهاض واضح جدًا. حياة الأم لها الأولوية. إذا كان الجنين يشكِّل تهديداً لحياة الأم، يُعتبر في المصطلحات الحاخامية «مطارِدًا «. وفي القانون اليهودي، إذا رأينا شخصاً يطارد آخر بهدف قتله، فإننا ملزمون بالتدخل حتى لو كان ذلك يعني قتل المطارِد. وبالمثل، إذا كان الجنين يُعتبر «مطارِداً» للأم ويهدد حياتها، فإن الإجهاض ليس مسموحاً به فحسب بل مطلوب. والأمر الحاسم هنا بالطبع هو ما نعنيه بالخطر. هل نتحدث فقط عن الخطر الجسدي، أي إن الأم لن تنجو من الولادة؟ ماذا عن صحتها النفسية أو عدم قدرتها على تربية الأطفال، على سبيل المثال، بسبب صعوبات التعلم أو الفقر؟ هل تُعتبر هذه أيضاً خطراً؟ هذا يختلف تماماً عن تحريمه الإجهاض من البداية، كما في حالة الأصولية المسيحية، بسبب الموقف العقائدي القائل بأن الحياة تبدأ عند الحمل.
في خطاب ألقاه في قمة القيم الانتخابية عام 2017، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب للجمهور: «سوف نوقف الهجمات الباردة على القيم اليهودية - المسيحية… سوف نعيد قول «عيد ميلاد مجيد» مرة أخرى». وهنا يبدو الأمر مضحكاً بوضوح عندما نؤكد أن هناك قيمة يهودية جوهرية في الاحتفال بعيد مسيحي، خاصة عندما يدور العيد المعني بشكل رئيسي حول تناول قطعة كبيرة من لحم الخنزير والكثير من القريدس، وهو ما يتعارض مع التقليد اليهودي.
لقد حان الوقت للتخلص من أسطورة «اليهودية-المسيحية» ليس لأنها تميز ضد الآخرين فحسب، وبالتالي تسبِّب الانقسام الاجتماعي، ولكن أيضاً لأن لا معنى لها إلا بالنسبة إلى المتشددين المسيحيين. المسيحية واليهودية ديانتان منفصلتان لا يمكن دمجهما إلا من خلال فرض تعاليم إحداهما على الأخرى. وفي هذا المضمار، كتب الحاخام يعقوب نوسنار: «بالنسبة إليَّ كحاخام، الإجابة عن هذا السؤال بسيطة: اليهودية والمسيحية ديانتان مختلفتان تماماً، وليستا نسختين مختلفتين من ديانة واحدة (ديانة «العهد القديم» أو «التوراة المكتوبة»). تمثِّل العقيدتان شعبين مختلفين يتحدثان عن أمور مختلفة موجَّهة إلى جمهور مختلف... إذا عدنا إلى بدايات المسيحية في القرون الأولى من العصر المسيحي، سنرى هذه الصورة بوضوح شديد. كل دين منهما تناول أجندته الخاصة، وتحدَّث عن قضاياه الخاصة، واستخدم لغة مميزة لأتباعه. لم يُظهر أي منهما فهماً لما كان مهماً للآخر». الحقيقة هي أن المسيحية ليست قائمة على التعاليم اليهودية، كما يود مؤيدو أسطورة «اليهودية - المسيحية» أن يعتقد الناس، بل على تعاليم يسوع المسيح كما وردت في العهد الجديد.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
10:02
نائب أمين مجلس الأمن القومي الإيراني: يجب محاسبة المتورطين في اغتيال المرشد الأعلى وهو حق للشعب الإيراني
-
10:02
أ.ف.ب عن وزير الخارجية الفرنسي: لن ترفع العقوبات عن #إيران ما لم تتخل عن برنامجها النووي
-
07:47
حرس الثورة: دمرنا في القاعدة مراكز مهمة لإصلاح وصيانة المروحيات ومنشأة طائرات الاستطلاع الإلكترونية من طراز P-8 ومركز قيادة وتحكم الطائرات بدون طيار التابع للجيش الأمريكي
-
07:46
حرس الثورة: قواتنا دمروا بالكامل مخازن الوقود ومنظومة الدفاع الجوي "باتريوت" في قاعدة "علي السالم" الأميركية في الكويت بالإضافة إلى تدمير منظومة رادار استراتيجية من طراز "FPS" في قاعدة "أحمد الجابر"
-
07:45
معاريف": الولايات المتحدة تختار عدم استهداف أهداف قد تدفع الإيرانيين إلى رد غير متناسب وهذا مؤسف
-
07:18
الحرس الثوري الإيراني: استهدفنا بالصواريخ والمسيرات قاعدة أحمد الجابر بالكويت وقاعدة الأمير حسن الجوية في #الأردن
