اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم تنجح كل المراجعات اللبنانية الرسمية مع لجنة "الميكانيزم" عبر قيادة الجيش، في الحصول على اجوبة حيال الاهداف المبيتة لتحليق المسيرات الاسرائيلية فوق العاصمة، وتحليقها على علو منخفض خلال الايام الماضية، فوق المقرات الرسمية، وخصوصا القصر الجمهوري. هذا التجاهل الاميركي، لم يكن مفاجئا ، بل ينم عن استمرار مقلق لاستراتيجية "التطنيش" الاميركية، لكل الهواجس اللبنانية في ملفات امنية وعسكرية آنية، وهو ما يطرح اكثر من علامة استفهام حيال الرهانات على دور اميركي محتمل، في ايجاد الارضية لمفاوضات يمكن ان تفضي الى اعادة الاستقرار على طول الحدود الجنوبية، خصوصا ان ثمة من يروج لتغيير مرتقب في السياسة الاميركية، مع التحاق السفير الجديد ميشال عيسى بعمله مطلع الشهر المقبل؟!

ثمة "انزال" اميركي سياسي رفيع المستوى في "اسرائيل"، لمنع انهيار اتفاق وقف النار في غزة، نائب الرئيس جي دي فانس، ستيف ويتكوف، جاريد كوشنير، ويلتحق بهم اليوم وزيرالخارجية ماركو روبيو، هذا "الحج" يعكس اهتماما شديدا غير قابل للتأويل لدى الرئيس دونالد ترامب، لعدم خسارة ما يعتبره اهم انجاز له منذ وصوله الى البيت الابيض. ووفق صحيفة "اسرائيل هايوم" المقربة من رئيس حكومة العدو، "كان الهجوم على الدوحة نقطة التحول في موقف ترامب، فالخطوة الإسرائيلية مست بشكل مباشر بالمصلحة الأميركية التي ترى في قطر شريكاً استراتيجياً واقتصادية وتجارياً، وضربها يعد تخريبا لعلاقة واشنطن بدول الخليج، لهذا لم يتأخر الرد الأميركي، فقط صمم البيت الأبيض خريطة طريقه لإنهاء القتال وللتسوية في غزة ، دون أن تكون "إسرائيل" شريكاً بشكل كامل في المباحثات. واضطرت "إسرائيل" إلى قبول الإملاءات الأميركية، بل واضطرت أيضاً إلى تلقي إهانة علنية ، بعد ان فرض ترامب على نتنياهو اعتذاراً لرئيس وزراء قطر عبر الهاتف، في صيغة أُمليت عليه في البيت الأبيض". ولم يكن هذا بكافٍ، "فقد رابط 200 من رجال الجيش الأميركي في "إسرائيل" لمراقبة تنفيذ الاتفاق. وتبين "ان تطلع ترامب إلى الدفع قدماً بالمرحلة الثانية من خطته، كان أقوى من تطلع نتنياهو إلى محاسبة حماس".

للاسف، لا تبيان في المصالح الاميركية – "الاسرائيلية" حيال الملف اللبناني، تقول مصادر ديبلوماسية، فعندما رفضت "اسرائيل" العرض اللبناني، لانه تضمن "شروطا" تعتبرها غير متناسبة مع الواقع الميداني، لم تعترض واشنطن. فالرئاسة الاولى لم تقدم عرضا للتفاوض دون ضمانات، ومقابل عدم التمسك بشكل التفاوض، وتركه مفتوحا على اشكال متعددة، طالبت بالحد الادنى المنطقي لاي حوار، وهو ان يتم دون ضغوط، اي ليس "تحت النار"، اي ان يحصل "الانسحاب الاسرائيلي" من الاراضي اللبنانية المحتلة، وقف العدوان المستمر جوا وبرا، بالاضافة الى اطلاق سراح الاسرى. وهي عناوين تشكل جزءا من وقف النار الحالي، الذي تنصلت واشنطن من رعايتها لتنفيذه، ولم تنجح المحاولات اللبنانية في الحصول على وعود اميركية، شفهية او مكتوبة، بشأن الزام "اسرائيل" بمدرجات القرار 1701.

ووفق تلك المصادر، تبقى المشكلة الاخطر غياب الاهتمام الاميركي بالهواجس اللبنانية، التي تتجاوز ايضا البنود الثلاثة التي تتمسك بها الرئاسة الاولى. فملف السلاح الذي يتجاوز قدرة الحكومة اللبنانية على معالجته، كونه جزءا من معادلة اقليمية اوسع، ويمكن ان يكون شرارة لحرب اهلية اذا تم التعامل معه بتهور، لا يزال عالقا في نفق التشدد الاميركي الذي يطالب بمعالجته من منظار المصالح الامنية "الاسرائيلية"، بينما لدى السلطات اللبنانية الكثير من الاسئلة، التي لا يرى الأميركيون انهم معنيون بالاجابة عنها. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، هل ستتنازل "اسرائيل" عن مخططها لانشاء منطقة عازلة على الحدود، تلغي وجود نحو 17 مدينة وبلدة جنوبية؟ ماذا عن الذرائع الجديدة التي يبرع "الاسرائيليون" في نسجها، لاتهام الطرف الآخر بتهديد امنهم؟ ماذا لو طالبوا بعد سحب سلاح حزب الله بألا  يسمح لعناصر وضباط الجيش اللبناني الا بحيازة سلاح فردي حتى الليطاني او ربما الاولي؟ ما هي الضمانات بان لا تطالب "اسرائيل" بتعديل المناهج اللبنانية او القوانين، التي تجرّم العامل معها وتعتبرها عدوا؟ وماذا لو أحتجت بوجود "بيئة" معادية لها على الحدود؟ وطالبت بحرية الحركة الميدانية كما يحصل اليوم في سوريا؟ ماذا عن مطالبتها بالتأثير في تشكيل السلطات الداخلية لاحقا، وتقديم شروط معينة تسمح لها بالسيطرة على القرار السياسي، كما يحصل اليوم في الضفة الغربية، حيث تصر على حصر البنية الرسمية الفلسطينية بسلطة محمود عباس؟! وتتدخل للقضاء على اي محاولة لحركة حماس، لايجاد موطئ قدم حتى لو كان سياسيا؟ ماذا عن فرض شروط تتعلق بالاستفادة من الثروة المائية؟ وماذا لو لم تفك "الحصار" القائم راهنا بالتواطؤ مع شركة "توتال"، لمنع لبنان من استخراج الغاز من البحر؟

وفي هذا السياق، ترى تلك الاوساط ان ثمة رهانا مبالغا فيه على حضور السفير الاميركي الجديد ميشال عيسى الى بيروت، فهو قد لا يضيف الكثير على المشهد العام، بل قد يكون تأثيره محدودا جدا، بسبب ارتباطه بتوجيهات وزارة الخارجية الاميركية، التي يتعمد الرئيس الاميركي دونالد ترامب تهميشها، عبر منح المبعوثين المقربين منه الهامش الاكبر للتحرك والتأثير في السياسة الخارجية، وهو سيبقى رهينة لتلك السياسات التي "تطبخ" داخل المكتب البيضاوي. وليس واضحا حتى الآن ما اذا كان يتمتع بامتيازات لم تحصل عليها السفيرة الحالية ليزا جونسون. والسفير الجديد ذو الاصول اللبنانية، لا يمكنه ان يحيد عن السياسة الاميركية المتشددة إزاء لبنان، بخاصة في ما يتعلق بمسألة سلاح حزب الله، وسيكون ملزما بالهوامش الضيقة المتاحة له، دون ان يتمكن من احداث تغييرات جذرية، حتى لو اراد ذلك.

في الخلاصة، الرهان الآن في لبنان على الوقت، وليس على اي شيء آخر، بانتظار التطورات الاقليمية والدولية، التي قد تأخذ منحى مختلفا عما هو قائم اليوم، ما قد يغير من اولويات الادارة الاميركية. والانظار تتجه اليوم الى مستقبل وقف النار في غزة، اضافة الى مستقبل العلاقة الاميركية – الايرانية، التي قد تكون في الاسابيع والاشهر المقبلة "البوصلة" التي من خلالها يتبلور المشهد على الساحة اللبنانية.

الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع