تحمل العلاقة بين روسيا وإسرائيل طابعاً تاريخياً مركباً يتجاوز البعد السياسي إلى العمق الاجتماعي والديموغرافي. فمنذ القرن التاسع عشر، كانت روسيا القيصرية مركزاً رئيسياً للجاليات اليهودية في أوروبا الشرقية، ومصدراً لأغلب المهاجرين الذين أسسوا البنية الأولى للمجتمع الصهيوني في فلسطين. ومع تحولات روسيا من إمبراطورية إلى اتحادٍ سوفياتي، ثم إلى دولة اتحادية حديثة، ظل الموقف من إسرائيل يتأرجح بين الدعم الحذر والخصومة الأيديولوجية، وصولاً إلى براغماتية المصالح في الحاضر.
-أولاً: من سايكس-بيكو إلى الثورة البلشفية – البدايات المتقاطعة
خلال الحرب العالمية الأولى، شاركت روسيا القيصرية في مفاوضات اتفاق سايكس-بيكو عام 1916 إلى جانب بريطانيا وفرنسا لتقاسم مناطق النفوذ بعد انهيار الدولة العثمانية. حصلت روسيا بموجب الاتفاق على وعودٍ بالسيطرة على أجزاء من شرقي الأناضول والمناطق الأرمنية.
لكن الثورة البلشفية عام 1917 قلبت المعادلة؛ إذ انسحبت روسيا الجديدة من الحرب وأعلنت رفضها للاتفاقات الإمبريالية، فسرّبت نصوص سايكس-بيكو إلى الصحف العالمية، كاشفةً الأطماع الغربية في المشرق. أدى ذلك إلى انكفاء موسكو عن الشأن العربي لعقود، حتى استقرار النظام السوفياتي.
تلك المرحلة المبكرة تبيّن كيف شكّلت روسيا – منذ العهد القيصري – طرفاً أصيلاً في رسم خرائط الشرق الأوسط، قبل أن تتحوّل إلى قوة أيديولوجية مناوئة للغرب في النصف الثاني من القرن العشرين.
-ثانياً: اليهود الروس ودورهم في تأسيس إسرائيل
كان لليهود الروس دور محوري في تشكّل المشروع الصهيوني. فقد انطلقت أولى موجات الهجرة إلى فلسطين من الإمبراطورية الروسية بين 1882 و1914، عُرفت بـ "الهجرة الأولى والثانية"، وأسست مستوطنات زراعية مثل "ريشون لتسيون" و "دجانيا". حمل هؤلاء المهاجرون أفكاراً اشتراكية وتنظيمية ساهمت لاحقاً في إنشاء الكيبوتسات والهستدروت، أي اللبنات الأولى للاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي.
كما أن مفكرين من أصل روسي – مثل ليو بنسكر وفلاديمير جابوتنسكي – شكّلوا الإطار الفكري للحركة الصهيونية الحديثة. ومع قيام إسرائيل عام 1948، كان نصف سكانها تقريباً من أصول روسية أو شرق أوروبية.
في مرحلة لاحقة، وخصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تدفقت موجة جديدة من المهاجرين الروس، بلغ عددهم أكثر من مليون شخص، ما جعل اللغة الروسية الثالثة استخداماً في إسرائيل، ورسّخ حضوراً اجتماعياً واقتصادياً مؤثراً.
-ثالثاً: الاتحاد السوفياتي وإسرائيل – من الاعتراف إلى القطيعة
بعد الحرب العالمية الثانية، كان الاتحاد السوفياتي من أوائل المؤيدين لإنشاء دولة إسرائيل. ففي تصويت الأمم المتحدة على قرار التقسيم عام 1947، صوّت السوفيات تأييداً للمشروع، ثم اعترفوا بإسرائيل في أيار 1948، بل سهّلوا تزويدها بالأسلحة عبر تشيكوسلوفاكيا لدعمها في حرب الاستقلال.
لكن هذا الدعم لم يكن نابعاً من تعاطف ديني أو إنساني، بل من حسابات استراتيجية؛ إذ رأى ستالين أن وجود دولة يهودية اشتراكية في الشرق قد يحدّ من النفوذ البريطاني.
غير أنّ تموضع إسرائيل السريع ضمن المعسكر الغربي وتبنّيها سياسة مؤيدة للولايات المتحدة جعلا موسكو تغيّر اتجاهها. بحلول أوائل الخمسينيات، انقلب الموقف السوفياتي رأساً على عقب، فبدأت حملة دعائية ضد "الصهيونية الإمبريالية"، وأعيدت قراءة إسرائيل باعتبارها أداة للغرب.
بلغ التدهور ذروته بعد حرب حزيران 1967، حين قطعت موسكو علاقاتها الديبلوماسية مع تل أبيب تضامناً مع الدول العربية، لتبدأ مرحلة طويلة من العداء والاصطفاف الإيديولوجي.
-رابعاً: الموقف السوفياتي من القضية الفلسطينية
مع التحول في السياسة السوفياتية بعد الخمسينيات، أصبحت القضية الفلسطينية جزءاً مركزياً من المواجهة مع الغرب. دعمت موسكو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني، وقدّمت لها التدريب العسكري والسياسي عبر مؤسسات الحزب الشيوعي والـKGB.
كما استخدمت موسكو المنابر الأممية للدفاع عن "حق الشعوب في تقرير مصيرها"، وساندت القرارات المطالِبة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967.
لم يكن ذلك بدافع أيديولوجي فحسب، بل ضمن استراتيجية تهدف إلى ترسيخ النفوذ السوفياتي في الشرق الأوسط في مواجهة واشنطن. فقد رأت موسكو في دعم الفلسطينيين وسيلة لنسج تحالفات مع الأنظمة العربية القومية (مصر، سوريا، العراق)، وتثبيت حضورها في مياه المتوسط.
-خامساً: من الانهيار إلى الانفتاح – روسيا الاتحادية وإسرائيل
مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، انتهت مرحلة الحرب الباردة، وبدأت روسيا الاتحادية برؤيةٍ جديدة للعلاقات الدولية قائمة على المصالح الواقعية. أعادت موسكو وتل أبيب علاقاتهما الديبلوماسية الكاملة في تشرين الأول من العام نفسه، وفتحت أبواب التعاون الاقتصادي والثقافي.
الهجرة الواسعة ليهود الاتحاد السوفياتي السابق أدّت دوراً حاسماً في هذا التقارب، إذ تحوّل "اليهود الروس" إلى جسر بشري بين الدولتين. داخل إسرائيل، أسّس هؤلاء مجتمعاً متماسكاً حافظ على لغته وثقافته، وشكّل كتلة انتخابية مؤثرة في سياسات اليمين الإسرائيلي.
من جانبها، وجدت روسيا في هذا الارتباط وسيلة لتعزيز نفوذها الثقافي والاقتصادي في المنطقة، بينما استفادت إسرائيل من الخبرات العلمية والعسكرية للمهاجرين الجدد.
في الوقت نفسه، لم تتخلّ موسكو عن علاقاتها التقليدية مع الدول العربية، فحافظت على خط توازنٍ دقيق بين التعاون مع إسرائيل والتنسيق مع خصومها الإقليميين. ومع التدخل العسكري الروسي في سوريا عام 2015، بات التنسيق الأمني بين الجيشين الروسي والإسرائيلي ضرورياً لتجنّب الصدام.
-سادساً: روسيا الاتحادية والملف الفلسطيني الراهن
تتبنّى روسيا اليوم موقفاً "متوازناً" إزاء الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فهي تؤكد في بياناتها الرسمية دعمها لقيام دولة فلسطينية على حدود 1967، مع القدس الشرقية عاصمةً لها، لكنها في الوقت نفسه تُبقي قنوات التواصل مفتوحة مع الحكومة الإسرائيلية.
تشارك موسكو في اللجنة الرباعية الدولية للسلام، وتستقبل وفوداً من حركتي فتح وحماس في إطار "وساطات شكلية" تمنحها حضوراً سياسياً دون التورط في صدام مباشر مع تل أبيب أو واشنطن.
هذا الموقف يعكس إدراك الكرملين لطبيعة التحولات في ميزان القوى العالمي، إذ تسعى روسيا إلى تأدية دور الوسيط بين الشرق والغرب، لا الخصم الأيديولوجي كما كان الحال في زمن الحرب الباردة.
-سابعاً: تعقيدات الحاضر واستمرارية التاريخ
تتجلى تعقيدات العلاقة الروسية–الإسرائيلية اليوم في توازنٍ دقيق بين التفاهم والمنافسة. فروسيا، وهي القوة العائدة إلى الشرق الأوسط، ترى في إسرائيل بوابةً للتواصل مع الغرب، ومصدراً للتكنولوجيا والاستثمارات. في المقابل، تتعامل إسرائيل مع موسكو كقوة لا يمكن تجاهلها في ملفات سوريا وإيران وأوكرانيا.
ورغم غياب التحالف الرسمي، فإن التنسيق الأمني والاتصالات السياسية بين الطرفين يعكسان فهماً براغماتياً متبادلاً.
تاريخياً، لم تخرج هذه العلاقة يوماً من دائرة التعقيد: روسيا التي احتضنت جذور الصهيونية، وهاجر منها آلاف اليهود لتأسيس إسرائيل، هي ذاتها التي حاربت "المشروع الصهيوني" خلال نصف قرن، ثم عادت اليوم إلى التعامل معه من موقع الندية والمصلحة. إنها علاقة تتبدل أدواتها لكن ثوابتها تبقى: النفوذ، والموقع، والتاريخ المشترك.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
11:18
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية لوكالة "إرنا": سنعقد صباحاً اجتماعات ثنائية مع وفدي باكستان وقطر بصفتهما وسيطين في العملية
-
11:18
بزشكيان: الشرط الأميركي الوحيد هو ألا نمتلك قنبلة ذرية وهذا ما أكده القائد الشهيد مراراً فنحن لا نسعى إلى امتلاك قنبلة ذرية
-
11:18
بزشكيان: نتنياهو هو أول من أبدى استياءه من المفاوضات
-
11:06
الرئيس الإيراني: جميع بنود مذكرة التفاهم تصب في مصلحتنا وستتضح مكاسب هذه المفاوضات قريبا
-
10:54
وكالة "مهر": وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى نظيره السويسري إيغناسيو كاسيس
-
10:43
إذاعة "الجيش" الاسرائيلي عن بن غفير: يجب ألا تكون هناك مفاوضات مع الحكومة اللبنانية ما دام حزب الله موجودًا فيها
