اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

نشأ تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق» من الفوضى التي خلفها الغزو الإميركي للعراق عام 2003، وعلى الرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها ما بين 2005 و 2010، إلا إن اندلاع الإضطرابات السورية، ربيع العام 2011، شكل فرصة سانحة للتنظيم لترميم نفسه، والإعلان عن تفعيل الساحة السورية بعد ضم اسمها إلى اسم التنظيم الذي أضحى، بدءا من العام 2012، تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام»، وقد استطاع هذا الأخير بدءا من صيف العام 2014 الإستيلاء على 25 % من مساحة الأراضي السورية ونسبة قريبة لها من نظيرتها العراقية، وعلى تجمع سكاني كان عديده يتراوح بين 10 - 12 مليون شخص، حيث سيلعب ذلك دورا هو أشبه بـ«ذرو الجمر» في منطقة تكاد درجة «اليباس» فيها أن تصل إلى المطلقة، الأمر الذي تجلى بوضوح في قدرة التنظيم على استقطاب مئات الآلاف من المقاتلين في تلك الفترة، وكذا في قدرته على اجتذاب مئات الممولين الذين راحوا يعملون على توفير سيولة للتنظيم لا تحظى بها دول عدة في المنطقة، ومع إعلان الولايات المتحدة عن تأسيس «التحالف الدولي» لمحاربة التنظيم اتخذ الخط البياني لهذا الأخير منحنى انحداريا إلى أن وصل إلى هزيمة «الباغوز»، آذار 2019، التي خسر فيها آخر رقعة جغرافية كان يسيطر عليها، ومذاك راحت الإستراتيجيات والتكتيكات تتغير على وقع التطورات الحاصلة، لكن احتفاظ التنظيم بقدرته على البقاء والتلون تماشيا مع المتغيرات، أمر يشير إلى إلى أن «البذور» لا تزال تحظى بالكثير «التراب» اللازم لنموها واستمرارها .

نشرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، قبل أيام، تقريرا بعنوان «داعش ينهض مجددا في سوريا»، أشارت فيه إلى بروز عوامل عدة كانت من النوع المساعد لتنامي دور للتنظيم بعيد سقوط نظام بشار الأسد شهر كانون أول الفائت، وجاء في التقرير «بعد 6 سنوات على هزيمة التنظيم يعود الأخير بصيغة تمرد متنقلا ومستفيدا من عوامل عدة أبرزها انهيار نظام الأسد، الذي وسع هامش الفوضى، وتقليص الولايات المتحدة لتواجدها العسكري في سوريا»، والمؤكد هو أن العاملين السابقين، اللذين أوردهما التقرير بصفة «عوامل مساعدة» لمحاولات استعادة التنظيم لدوره من جديد، يملكان الكثير مما يخولانهما حمل تلك الصفة، فقد أشارت تقارير، وتحقيقات استقصائية، عدة إلى إن التنظيم كان قد قام بالإستيلاء على مستودعات أسلحة من العديد من المواقع التي كان يسيطر عليها الجيش السوري السابق، بعيد الإعلان عن سقوط النظام مباشرة، وفي نيسان الفائت قامت واشنطن بسحب 500 من مقاتليها العاملين على الأراضي السورية، والبالغ عددهم نحو 2000 جندي أواخر العام المنصرم، في الوقت الذي أشارت فيه تقارير عدة إلى وجود نوايا أميركية للقيام بـ » تخفيضات أخرى لعديد قواتها قبل نهاية هذا العام «، حتى إن شون بارتيل، المتحدث باسم «البنتاغون»، كان قد قال إن «قرار سحب القوات الأميركية، وتخفيضها، من سوريا، يعكس نجاح الولايات المتحدة في إضعاف قدرات التنظيم»، لكن ما يؤخذ على التقرير هو إنه تغاضى عن ذكر عوامل عدة، ولربما فعل ذلك متعمدا قياسا للدعم الذي توليه إدارة دونالد ترامب للسلطات السورية الراهنة، وهي لا تقل أهمية عن العاملين اللذين ذكرهما تقرير الصحيفة الإميركية التي تعتبر منبرا يعبر عن «رأس المال والأعمال» الأميركي، ولعل أبرز تلك العوامل هما اثنان، أولاهما أن الفترة التي أعقبت معركة «الباغوز» العام 2019، كان من المفترض لها أن تشهد معالجات جذرية تهدف إلى استئصال فكر التنظيم وحرمانه من قواعده الإجتماعية التي يستند إليها، لكن ذلك لم يحصل، بل إن البيئات التي كان التنظيم يعمل على النشاط فيها صارت أكثر قبولية للعب ذلك الدور بمفاعيل عدة أبرزها الإنغلاق الذي تزايدت حدته في ما بينها وبين محيطها، ثم تراجع المستوى المعيشي في أوساط تلك البيئات، الأمر الذي أحال «الكل» فيها إلى «فرائس» سهلة لذلك الفكر، وثانيهما استمرار الأوضاع الأمنية الهشة، التي تزايدت حدتها بفعل الإنتهاكات التي حصلت في الساحل والسويداء، وبفعل حال «الستاتيكو» القائم ما بين دمشق والقامشلي على امتداد الأشهر الأحد عشر المنصرمة .

تقوم استراتيجية التنظيم اليوم، مما يمكن لحظه في افتتاحيات صحيفة «النبأ» التابعة له، على قاعدة أساسية تقول بلا جدوى افتعال أي صدام مباشر مع السلطات السورية في الوقت الراهن، ولربما الوقت الآن هو للتنافس ما بين الإثنين على البيئات «السنية المحافظة»، التي يراهن التنظيم على اجتذابها قبيل أن يبت في لحظة توقيت الصدام، أما التكتيكات المتبعة فهي تطورت من «الذئاب المنفردة» ما بعد الباغوز، لتصبح عند خلايا صغيرة ترتبط فيما بينها بطريقة «عنقودية»، واللافت فيها أن مقاتليها غالبا ما ينخرطون في البيئات المستهدفة، حتى أنهم لم يعودوا ملزمين بارتداء «الزي العسكري»، الأمر الذي يسهل من عملية اندماجهم في تلك المجتمعات .

من المؤكد اليوم أن قرار خفض القوات الأميركية في سوريا وصولا إلى إمكان اتخاذ قرار بتنفيذ انسحاب تام، وهو ما تنقسم الإدارة الأميركية الحالية حوله، سوف تكون له تداعيات كبرى على التنظيم وكذا على خياراته التي سوف يسلكها، من حيث أن الفعل سوف يفضي حتما إلى ارتفاع منسوب التوتر بين مكون عربي، راحت غالبيته القصوى تبدي ميلا للإنضواء تحت راية قادة سوريا الجدد، وبين مكون كردي، ترغب أغلبيته الساحقة في البقاء تحت سلطة «الإدارة الكردية» المحلية، وفي وضع كهذا، يلعب الوجود الإميركي دورا كما «صمام الأمان» الذي يحول دون انفجار الشرق السوري، الذي، فيما لو حصل، سيكون أشبه بفعل وصل «السيروب» إلى جسد مريض يعاني من عطب في الأجهزة المسؤولة عن تغذيته .


الأكثر قراءة

واشنطن وطهران نحو الاتفاق ونتنياهو يتمسك بالحرب قاسم: نزع السلاح إبادة لا يمكن أن نقبل بها