في فيلمه الجديد "صوت آب" (Sound of August)، يقدّم المخرج والممثل اللبناني مارسيل غصن عملاً إنسانياً عميقاً، يلامس جرحاً لم يندمل بعد في ذاكرة اللبنانيين: انفجار مرفأ بيروت في ٤ من آب ٢٠٢٠ وقد يكون هناك اعمال عدة تكلمت عن هذا الحدث العالمي المؤلم انما ما من عمل نقل الوج بنظرة الاب، رب المنزل، الجاني والمضحي، الضحية والجلاّد في آن.
ليس سرا ان هذا الحدث هزّ لبنان واللبنانيين وحتى العالم اجمع. هنا يتحوّل الفيلم إلى مرآة تعكس الخوف، الصدمة، والمسؤولية، من خلال قصة رجل – أب لعائلة – يعيش لحظات الرعب تلك بكل ما فيها من وجع وشلل وصمت داخلي...
يُصوّر الفيلم لحظة الانفجار لا كحدث خارجي فحسب، بل كزلزال داخلي يهزّ وجدان رجلٍ، فيكشف لنا صورتين متناقضتين عنه: الأولى أب مهمل، والثانية أب متيقّظ، مستنفر بكل كيانه، لا يفكر إلا بإنقاذ بناته، بحماية بيته، وبإبقاء الحياة ممكنة وسط الدمار. هذه الثنائية الإنسانية التي يقدّمها غصن ببراعة واحتراف وتميز، تجعل من “صوت آب” شهادة صادقة على لحظة تتجاوز حدود المكان والزمان، وتصل إلى عمق التجربة البشرية ذاتها.
من الناحية البصرية، يتميّز الفيلم بتصوير سينمائي أكاديمي اي مبني على أسس جمالية دقيقة وتقنيات عالمية. كل لقطة مدروسة، كل تفصيلة لها سبب، وكل حركة كاميرا تخدم الحالة النفسية للشخصية. الكادر مضبوط بعناية لدرجة تجعل الصورة لغة بحدّ ذاتها. نرى في كل مشهد التوتر بين الضوء والظل، بين الحياة والموت، بين الصوت والصمت. ومن خلال هذه الدقّة البصرية، نلمس الحسّ العالي لدى مارسيل غصن كمخرج يدرك تماماً ما يريد قوله من خلال الصورة، وليس فقط عبر الحوار.
أما في التمثيل، فيقدّم غصن أداءً آسراً، مفعماً بالصدق والوجع. يجسّد شخصية الأب الذي يضحي، لكنه ينسى نفسه في خضمّ الفوضى، فلا يتحدث عن ألمه، ولا ينتظر من يُسعفه. هذا الصمت الذي يرافقه يصبح أكثر تعبيراً من أي كلام، فيجعل المشاهد يعيش اللحظة ويتماهى مع الشخصية حدّ الوجع. وقد استحقّ غصن عن هذا الأداء ثلاث جوائز لأفضل ممثل، ما يؤكّد أنه لا يبدع فقط خلف الكاميرا بل أمامها أيضاً، جامعاً بين الحسّ الإخراجي والبراعة التمثيلية في توازن نادر.
يُعرض الفيلم في District 7 – بيروت في أيام 4 و5 و9 تشرين الثاني/نوفمبر، عند الساعة الثامنة مساءً بتوقيت بيروت.
“صوت آب” ليس مجرد فيلم عن مأساة مرّت واصبحت من الماضي، بل هو تحية إلى الأب، إلى الإنسان، إلى الوطن الجريح الذي ما زال ينهض بالفنّ رغم الألم. عمل كهذا يجعلنا نشعر بالفخر، لأنّه يبرهن أن لبنان لا يزال قادراً على إنتاج سينما راقية، تجمع بين الحسّ الجمالي والصدق الإنساني، وتعبّر عن وجع جماعي بأسلوب عالمي. نتمنى أن تتكاثر هذه النوعية من الأعمال التي ترفع اسم لبنان عالياً في الخارج، وتعيد الاعتبار للفنّ كقوة مقاومة للجراح، وكصوت لا يخبو مهما اشتدّ الانفجار.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
20:04
أكسيوس عن مصادر: تقييمات القادة العسكريين والمستشارين ساهمت في قرار ترامب بشأن وقف الضربات مؤقتا على إيران
-
20:04
الجيش: أوقفنا مواطنين في منطقة ذوق مصبح بحوزتهما نحو مليون حبة كبتاغون وحوالي 60 كلغ من حشيشة الكيف وسلاحًا حربيًّا ورمانة يدوية ومبلغًا من المال المزور
-
20:03
أكسيوس عن مصادر: قائد القيادة المركزية الأميركية أوصى بوقف الضربات حول مضيق هرمز بعد بلوغها أقصى حدود فعاليتها
-
19:48
الخارجية الروسية: لافروف يعرب عن تعازيه لعراقجي في مقتل بحار جراء هجوم أوكراني على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين
-
19:48
وزير الدفاع الإسرائيلي: ندرس القيام بعمليات كالتي نفذناها بمخيمات شمال الضفة الغربية لاستهداف "النشاط الإرهابي"
-
19:45
تفجير إسرائيلي كبير في محيط كفرتبنيت
