في ظلّ التراجع العام الذي تشهده الرياضة اللبنانية على مستوى البنية التحتية والدعم المالي، تبرز الرياضة الجامعية والمدرسية كأمل واقعي يمكن البناء عليه لصناعة أبطال المستقبل، إذا ما تمّت إدارتها برؤية علمية وتنظيمية سليمة.
من المعروف أنّ المواهب الرياضية تولد في المراحل المدرسية الأولى، حيث يكتشف المعلّمون والمدرّبون البذور الأولى للإبداع الرياضي، سواء في كرة القدم أو ألعاب القوى أو السباحة أو غيرها من الألعاب الفردية والجماعية. لكن في لبنان، تبقى هذه المواهب غالبًا من دون رعاية حقيقية أو متابعة منهجية، ما يؤدي إلى ضياعها في غياب سياسة وطنية تربط بين المدرسة والجامعة والاتحاد الرياضي العام.
في التجارب العالمية الناجحة، مثل الولايات المتحدة أو اليابان، تُعتبر الرياضة الجامعية الرافعة الأساسية للاحتراف. فالجامعات هناك تمتلك بطولات منتظمة، وأقسامًا رياضية متخصصة، ومدرّبين بدوام كامل، وتعمل بالشراكة مع الأندية المحترفة لاكتشاف النجوم.
أما في لبنان، فالمشهد مختلف. فباستثناء بعض الجامعات الخاصة (مثل الجامعة الأميركية في بيروت والجامعة اللبنانية الأميركية واليسوعية والبلمند)، التي تنظم دوريات داخلية وتقدّم منحًا رياضية، يبقى المشهد العام هشًّا وغير منسّق، إذ تغيب الرؤية الوطنية الشاملة لدمج الرياضة بالتعليم العالي.
منجم المواهب المهدور
المدرسة هي النواة الأولى لصناعة الرياضي. ومع ذلك، لا تزال الرياضة في المدارس اللبنانية تُعتبر نشاطًا ثانويًا أو ترفيهيًا، لا مادة أساسية في التربية الجسدية الشاملة. الملاعب محدودة، والأدوات متهالكة، والمدرّبون يعانون من ضعف التدريب أو قلة الموارد.
وفي ظلّ غياب استراتيجية واضحة من وزارة التربية والتعليم العالي، تضيع المواهب قبل أن تبلغ مرحلة النضوج الرياضي، فالكثير من الأطفال الذين يمتلكون طاقات كبيرة يبتعدون عن الرياضة بسبب غياب الدعم، أو التركيز المفرط على الجانب الأكاديمي فقط.
وفي هذا الاطار يقول كابتن الراسينغ السابق ومدرب فرق المدارس في المون لاسال طوني جريج للديار: "نحن نهتم باللاعبين الصغر في المدرسة ونحضرهم ليكونوا نواة الفرق الجامعية لاحقا وهذا امر هام جدا وهو متبع في البلدان الراقية، ومن الجامعات يحصلون على نجومهم الرياضيين والاولمبيين، والجامعات اللبنانية لديها خصم خاص للطلاب المتفوقين رياضيا اما على صعيد المدارس فهذا الامر للاسف غير موجود".
يضيف: "اتمنى على ادارات المدارس ان تجري خصومات خاصة للاعبين الصغار المبدعين رياضيا من اجل تشجيعهم على الرياضة بشتى انواعها، وحتى الملاعب التي يتمرنون عليها غير صحية وصالحة بما فيه الكفاية، الاضاءة الليلية ضعيفة والارضية من العشب الصناعي الذي يؤذي الاولاد، اما الاندية فهي تحصل على اللاعبين الذين لا يكملون دراستهم وهذا في الغالب الاعم، وبعد اعتزال اللاعب يكون قد خرج بخفي حنين من المدرسة ومن لعبة كرة القدم وعندها يعلو الصراخ".
ضعف التمويل
معظم المدارس والجامعات لا تملك ميزانيات كافية لدعم فرقها الرياضية أو المشاركة في البطولات.
وكذلك الامر غياب التنسيق اذ لا يوجد برنامج وطني يربط بين المؤسسات التعليمية والأندية والاتحادات. وقلة الكوادر المتخصصة اذ لدينا غياب مدرّبين معتمدين أكاديميًا في التربية الرياضية.
وغياب الحوافز هناك ندرة المنح الرياضية التي تشجع الطلاب الموهوبين على الاستمرار.
ومن الحوافز والنقاط التي يجب التركيز عليها إنشاء دوري وطني جامعي ومدرسي موحّد بإشراف وزارة الشباب والرياضة والاتحاد اللبناني للجامعات، بهدف اكتشاف المواهب وربطها بالأندية.
وإدراج التربية الرياضية كمادة أساسية في المناهج الرسمية، مع تدريب الكوادر وتأهيلهم بشكل دوري. وتخصيص منح جامعية رياضية للطلاب المتميزين في مختلف الألعاب، على غرار ما يحصل في أوروبا وأميركا.
واعتماد نظام متابعة وطنية للمواهب الرياضية، لتوثيق مسيرة كل لاعب منذ المراحل المدرسية وحتى الجامعة.
تشجيع الشراكات بين الجامعات والأندية الكبرى، بحيث تصبح الجامعات مراكز تطوير للاعبين الشباب. ودعم القطاع الخاص للرعاية الرياضية الجامعية، عبر إعفاءات ضريبية أو حملات تشجيعية لرعاة الرياضة. وإقامة معسكرات تدريبية مشتركة بين المدارس الرسمية والخاصة لتبادل الخبرات ورفع المستوى الفني.
إنّ تحويل الرياضة المدرسية والجامعية إلى مشروع وطني لا يتطلب فقط الأموال، بل رؤية تنظيمية متكاملة تُشرف عليها الدولة بالتعاون مع الاتحادات الرياضية والقطاع الخاص. فالرياضيون لا يولدون أبطالًا، بل يُصنعون داخل بيئة تعليمية صحية، تُوازن بين المعرفة الأكاديمية واللياقة البدنية والتربية القيمية.
ختامًا، يمكن القول إنّ الرياضة الجامعية والمدرسية في لبنان هي الركيزة الغائبة عن مشروع رياضي وطني فعّال. فإذا ما أُعيد تنظيمها وتوحيدها ضمن رؤية علمية متكاملة، قد تكون هي الشرارة التي تُطلق جيل الأبطال اللبنانيين الجدد، القادرين على رفع اسم وطنهم في المحافل الدولية.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
20:04
أكسيوس عن مصادر: تقييمات القادة العسكريين والمستشارين ساهمت في قرار ترامب بشأن وقف الضربات مؤقتا على إيران
-
20:04
الجيش: أوقفنا مواطنين في منطقة ذوق مصبح بحوزتهما نحو مليون حبة كبتاغون وحوالي 60 كلغ من حشيشة الكيف وسلاحًا حربيًّا ورمانة يدوية ومبلغًا من المال المزور
-
20:03
أكسيوس عن مصادر: قائد القيادة المركزية الأميركية أوصى بوقف الضربات حول مضيق هرمز بعد بلوغها أقصى حدود فعاليتها
-
19:48
الخارجية الروسية: لافروف يعرب عن تعازيه لعراقجي في مقتل بحار جراء هجوم أوكراني على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين
-
19:48
وزير الدفاع الإسرائيلي: ندرس القيام بعمليات كالتي نفذناها بمخيمات شمال الضفة الغربية لاستهداف "النشاط الإرهابي"
-
19:45
تفجير إسرائيلي كبير في محيط كفرتبنيت
