منذ أواخر الستينيات وحتى مطلع الثمانينيات، كان الشرق الأوسط مسرحاً مفتوحاً يتقاطع فوقه صراعٌ ثلاثي الأبعاد: صراع عربي– "إسرائيلي" يستنزف المنطقة، وصراع داخلي في لبنان يفتت النسيج السياسي، وصراع عالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، يحاول كل طرفٍ من خلاله تثبيت مكانته كقوة عظمى.
في تلك السنوات، بدا الاتحاد السوفياتي لاعباً مركزياً يُملي مواقفه عبر الدعم العسكري، والإشارات الديبلوماسية، والرسائل المشفرة لحلفائه ولخصومه على حد سواء. ومن بين الأحداث المفصلية التي كُشف فيها دور موسكو بوضوح: حرب تشرين 1973، وأحداث 1976 في لبنان، واجتياح "إسرائيل" للبنان عام 1982.
تظهر قراءة هذه الأحداث الثلاثة أن موسكو كانت تسير على حافة خط دقيق، تحاول عبره تحقيق توازن معقّد: تقديم الدعم الكافي لإبقاء نفوذها فاعلاً بين حلفائها العرب، وتجنّب أي خطوة قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، التي تملك الحضور العسكري والسياسي الأكبر في المنطقة. وبين هذين الحدّين، كانت سياسات الاتحاد السوفياتي تتخذ شكلاً متقلّباً يجمع ما بين الحماس الثوري والحذر الاستراتيجي.
أولاً: حرب تشرين 1973 – الدعم العسكري المحسوب وخطّ العودة الآمنة
مع اندلاع حرب تشرين في السادس من تشرين الاول 1973، وجد الاتحاد السوفياتي نفسه أمام لحظة اختبار كبرى. فالهجوم الذي شنّته القوات المصرية والسورية باغت إسرائيل وحلفاءها الغربيين، ووضع موسكو أمام فرصة لإعادة التوازن العسكري الذي اختلّ منذ هزيمة 1967. كان لدى الكرملين انطباع بأن الحرب ستعيد للعرب جزءاً من الثقة وتمنح موسكو فرصة ذهبية لإظهار أن السلاح السوفياتي لا يزال قادراً على تغيير المعادلات.
منذ اليوم الثالث للحرب، بدأت موسكو بجسر جوّي عاجل باتجاه دمشق والقاهرة. طائرات النقل الضخمة، من طراز "آن–22" و"إليوشن–76"، حملت ذخائر وصواريخ مضادة للطائرات ودبابات وقطع غيار للطائرات المقاتلة. كانت وتيرة الشحنات عالية لدرجة دفعت واشنطن إلى الرد بجسر مماثل لإسرائيل. ومع اقتراب الحرب من لحظة حساسة، ارتفع مستوى التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي إلى درجة تم فيها رفع حالة التأهب النووي إلى مستويات غير مسبوقة منذ أزمة كوبا.
ومع ذلك، لم يذهب الاتحاد السوفياتي أبعد من الإسناد العسكري والضغط الديبلوماسي. فبعد رسائل حادة متبادلة بين بريجنيف ونيكسون عبر "الخط الساخن"، مال الكرملين إلى وقف إطلاق النار عبر مجلس الأمن، في إشارة واضحة إلى حدود الدور السوفياتي: دعم فعّال من دون التورط في مواجهة مباشرة مع واشنطن.
ثانياً: دخول سوريا إلى لبنان 1976 – دعم الحليف مع الخشية من اندفاعه
حين دخل الجيش السوري الأراضي اللبنانية في حزيران 1976 تحت عنوان "قوات الردع العربية"، وجد الاتحاد السوفياتي نفسه أمام معضلة دقيقة. فمن جهة، كانت سوريا الحليف الأكثر موثوقية ووزناً له في الشرق الأوسط، ومن جهة أخرى كان التدخل العسكري السوري في لبنان خطوة غير منسّقة بالكامل مع موسكو، وتحمل مخاطر اشتعال مواجهة مع "إسرائيل".
تكشف الوثائق السوفياتية والتقارير الاستخباراتية الأميركية عن قلقٍ في دوائر الكرملين، من أنّ دمشق قد توسّع نفوذها في لبنان بطريقة تتجاوز قدرة موسكو على التحكم بالمشهد. ومع أنّ دعم السوفيات لسوريا ظل قائماً، إلا أن موقفهم من التدخّل اتّخذ طابع التحفّظ الواضح، فهم لم يريدوا للحرب اللبنانية أن تتحول إلى شرارة مواجهات إقليمية لا يمكن احتواؤها.
بقيت موسكو في تلك الفترة داعماً سياسياً وعسكرياً لدمشق، ولكن من دون الانخراط المباشر في الملف اللبناني، معتبرةً أن ضبط الوضع في لبنان مهم، ولكن ليس بالقدر الذي يستدعي مجازفة قد تستفز الولايات المتحدة.
ثالثاً: اجتياح لبنان 1982 – حين حاولت موسكو إعادة رسم خطوط الردع
كان اجتياح "إسرائيل" للبنان عام 1982 الحدث الأكثر إرباكاً للاتحاد السوفياتي في علاقته بكلّ من سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية. فقد أطلقت "إسرائيل" عملية عسكرية واسعة في 6 حزيران 1982، توغلت فيها نحو الجنوب والبقاع وصولاً إلى مشارف بيروت، وسط تراجع قدرات القوات السورية والفلسطينية أمام التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي.
الشرارة الأولى
منذ اليوم الأول للاجتياح، دان الاتحاد السوفياتي العمليات الإسرائيلية، لكن الإدانة لم تكن سوى الغطاء السياسي لتحركات أكبر جرى اتخاذها في الأيام اللاحقة. فمع تعرض الدفاعات الجوية السورية لضربات قاسية، وإسقاط عدد من بطاريات "سام–6"، رأت موسكو أن ميزان القوى يتدهور بصورة خطرة.
قرار بريجنيف بإطلاق جسر جوّي إلى سوريا
في واحدة من أكثر لحظات الحرب حساسية، اتخذ الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنيف قراراً سريعاً بتفعيل جسر جوّي عاجل نحو دمشق، يهدف إلى:
- إعادة تزويد سوريا بمنظومات دفاع جوي.
- إرسال رادارات جديدة لتعويض ما دمّرته "إسرائيل".
- تعزيز مخزون الذخائر والصواريخ.
- توفير قطع غيار للطائرات المقاتلة والمروحيات.
- دعم القيادة السورية بالمعلومات التقنية حول الحرب الإلكترونية الإسرائيلية.
كان الجسر الجوي موجهاً إلى سوريا وليس لبنان، لكنه في جوهره كان محاولة لحماية ما تبقى من قدرة الردع السورية داخل الأراضي اللبنانية، خصوصاً في سهل البقاع حيث كانت المواجهة الأعنف.
كانت موسكو تدرك أن انهيار الدفاعات السورية سيعني خسارة موطئ قدميها الأهم في الشرق الأوسط. ومن هنا، جاء هذا التحرك السريع ليؤكد أن السوفيات كانوا مستعدين للذهاب بعيداً في الدعم العسكري… ولكن من دون الانخراط المباشر في القتال.
لماذا لم يتدخل الاتحاد السوفياتي بشكل مباشر؟
رغم لهجة بريجنيف القاسية في رسائله إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ورغم قوة الجسر الجوّي، فإن موسكو لم تتجاوز خطوطها الحمراء، وذلك لثلاثة أسباب رئيسية:
1ـ تجنّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة التي انتشرت قطعها البحرية قبالة السواحل اللبنانية.
2ـ تدهور الوضع الصحي لبريجنيف وضعف القيادة الجماعية في موسكو، ما جعل اتخاذ قرار المغامرة العسكرية أصعب.
3ـ إدراك السوفيات أن سوريا غير مستعدة لحرب واسعة مع "إسرائيل"، في ظل التفوق الجوي الإسرائيلي الساحق.
أثر الجسر الجوّي
ساهمت الإمدادات السوفياتية في إبطاء وتيرة التفوق الإسرائيلي في بعض المحاور، ومنحت دمشق قدرة على إعادة تثبيت بعض المواقع، لكنها لم تنجح في تغيير نتيجة الحرب. بقيت "إسرائيل" متقدمة، واستمرت في حصار بيروت، إلى أن خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان.
بالنسبة للفلسطينيين، ترك هذا الانكفاء السوفياتي أثراً مريراً، إذ شعروا بأن دعم موسكو بقي ضمن حدود السياسة أكثر مما تجاوزه إلى الفعل العسكري. أما سوريا، فاعتبرت أن الدعم مفيد لكنه غير كافٍ في لحظة كانت تحتاج فيها إلى تدخل أكبر.
خاتمة
من حرب تشرين إلى اجتياح لبنان، سار الاتحاد السوفياتي بين دعم الحلفاء وتجنّب المواجهة الكبرى. كان لاعباً قوياً ولكن محدود الأدوات في لحظات الحسم، يقدم السلاح والضغط السياسي، لكنه يحاذر الاقتراب من أي مواجهة قد تضعه وجهاً لوجه أمام الولايات المتحدة. وهكذا، في لحظات اشتداد النار، اكتفى غالباً بدور الموازن لا المقاتل، وهو ما ترك أثراً عميقاً في شكل الصراعات وفي مصير حلفائه في المنطقة.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:44
وزير الدفاع الإسرائيلي: لم ولن يكون هناك أي قيود تمنع جنودنا من العمل على التخلص من التهديدات في #لبنان
-
13:44
وزير الدفاع الإسرائيلي: إعلان وقف إطلاق النار يبقي قواتنا في جميع المواقع بالمنطقة الأمنية في #لبنان
-
13:04
وزير الخارجية السويسري: علاقة الثقة بين سويسرا وإيران تبقى في خدمة الدبلوماسية وتحقيق السلام في الشرق الأوسط
-
12:48
الميادين: الوفد الإيراني يناقش الآن وقف الحرب على لبنان مع الوفد القطري
-
12:31
قيادة الجيش: نذكّر بضرورة تريث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية، والالتزام بتوجيهات الوحدات العسكرية المنتشرة، حفاظًا على سلامتهم من خطر الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية
-
12:20
بزشكيان: كل أركان القوات المسلحة وافقت على المسار الذي نتحرك فيه والقرارات اتخذت بإجماع مجلس الأمن القومي
