لبنان بلد يتنازعه الانقسام السياسي والطائفي منذ عقود بسبب تركيبته المعقدة، ولكن تبدو الرياضة وتحديدًا المنتخبات الوطنيةكأنها المساحة الوحيدة التي يلتقي فيها اللبنانيون بلا شعارات ولا خطوط تماس.
يتحول ملعب كرة قدم أو كرة سلة فجأة إلى ما لا تستطيع السياسة فعله: جمع الناس خلف علم واحد وهتاف واحد… ولو لساعات قليلة وهذا الأمر المفرح دوما، فهل الرياضة قادرة فعلاً على بناء هوية وطنية عابرة للانقسامات؟ أم أن هذا التلاقي مجرد لحظة انفعالية تزول بانتهاء المباراة؟
لبنان ليس بلدًا منقسمًا فقط؛ هو بلد متعدد الهويات: طائفية ومناطقية وحزبية وطبقية وحتى رياضية (نجمة – أنصار ورياضي – حكمة الخ…).
وفي ظل دولة ضعيفة، تتراجع الهوية الوطنية لمصلحة الهويات الأصغر لكن المنتخبات الوطنية تظهر في لحظات كـ "المظلة المشتركة" التي يمكن أن تحمي الجميع من الانقسام.
في عام 2019 نجح منتخب لبنان لكرة السلة بهزيمة الصين في بيروت ففي تلك الليلة، لم تُرفع إلا الأعلام اللبنانية لم تظهر أي راية حزبية مشهد نادر في لبنان ولكنه وطني جامع بامتياز. وفي عام 2022 وصل منتخب لبنان لكرة السلة إلى نهائي آسيا جاء مشجعون من مختلف المناطق ليجتمعوا في الساحات والمقاهي لمشاهدة المباريات أكثر من 600 ألف مشاهد على التلفزيون في مباراة نصف النهائي.
وكذلك الامر في لعبة كرة القدم فرحة وحّدت جمهورًا يعاني من انهيار اقتصادي خانق وتحوّلت المباريات إلى متنفس وطني.
وفي هذا السياق يقول اللاعب الدولي السابق في لعبة الكرة الطائرة والمدرب الوطني والاعلامي والناقد الرياضي عبدو جدعون للديار: "في بلد مثل لبنان تنجح الرياضة حيث تفشل السياسة ومجرد دخول المنتخب اللبناني الى ارضية الملعب تسقط كل الاصطفافات السياسية ورفع علم واحد يعلو فوق كل الولاءات تتوحد الجماهير من دون دعوة ويهتف الناس للبنان نفسه الذي يعجز السياسيون من جمعه حولهم وهكذا تصبح الرياضة هوية وطنية بديلة ومساحة نادرة تذكر اللبنانيين بأن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفؤقهم".
يضيف: "ان مباراة واحدة تفعل ما لا تفعله عشرات الاجتماعات السياسية على مدى طويل وتمنح اللبنانيين شعورا بأنهم شعب واحد ولو للحظات قليلة ويا له من شعور وحس وطني".
يتابع: "في بلدٍ يعيش على وقع الانقسامات المزمنة، ويكاد كل تفصيل فيه يتحوّل إلى مادة خلافية، تأتي الرياضة كفسحةٍ نادرة تعيد للبنانيين شيئاً من ذاتهم الجماعية الضائعة. فالمنتخبات الوطنية، بكل فئاتها، تحقّق ما تعجز عنه السياسة، جمع الناس حول راية واحدة، وهتاف واحد، وأمل واحد.
ليس سراً أن السياسة في لبنان فشلت مراراً في إنتاج هوية وطنية جامعة. الهوية بقيت معلّقة بين الولاءات الضيّقة والهواجس الطائفية وتنافس القوى. لكن ما إن يدخل منتخب لبنان أرض الملعب، حتى يسقط فجأة جدار الانقسام. يتحرّر المشجع من اصطفافه، ويعود مواطناً قبل أن يكون تابعاً. هنا تكمن قوة الرياضة: قدرتها على خلق مساحة حيادية لا خوف فيها ولا إتهام، مساحة يتساوى فيها الجميع تحت علم واحد وشعار واحد.
المنتخب، أي منتخب، لا يسأل جمهوره لمن صوّت، ولا لأي طائفة ينتمي، ولا أي منطقة يسكن. يسأل فقط: هل تهتف معي؟ هل تؤمن أنّ لبنان قادر على الفرح رغم كل شيء؟ وهنا يولد الشعور الوطني الحقيقي، لا من بيانات رسمية ولا من خطابات سياسية، بل من لحظة صدق عاطفية يعيشها الناس معاً.
ولبنان عرف هذه اللحظات كثيراً من مباريات كرة القدم التي جمعت مئات الآلاف خلف الشاشات، إلى انتصارات كرة السلة التي رفعت علم الوطن عالياً، إلى الألعاب الفردية التي صنعت أبطالًا توحّد حولهم اللبنانيون. كل انتصار كان يذكّر اللبنانيين بأن لديهم مستقبلًا مشتركاً، وأن هذا البلد، رغم جراحه، ما زال قادراً على إنتاج الفرح.
إن قوة المنتخبات اللبنانية تكمن في أنها تقدّم نموذجاً عملياً لما يمكن أن يكون عليه لبنان لو خرج من ضيق السياسة إلى رحابة الإنتماء الوطني. فهناك في الملعب، لا مقاعد موزّعة طائفياً، ولا تحالفات تفرض، ولا مصالح تُملى. هناك فقط علمٌ واحدٌ، وهدفٌ واحد، وفريقٌ يقاتل باسم وطن كامل.
لهذا، أصبحت الرياضة جزءاً من الهوية اللبنانية الحديثة، ومعبراً للتفاؤل، وصوتاً يقول، يمكن للبنان أن يتوحّد، شرط أن نمنحه فرصة. وما فعله الرياضيون، وما فعلته المنتخبات، هو الدليل الصارخ على أن المشكلة ليست في الناس ولا في الوطن، بل في السياسة التي لم تنجح في ترجمة هذه الوحدة إلى مشروع مستدام.
لقد أثبتت الرياضة، حين يختلف السياسيون، تتفرّق الناس، وحين يلعب لبنان، يتوحّد الجميع".
ان الهوية الرياضية هوية مرنة لا تطلب ولاءً طائفيًا ولا تطلب موقفًا سياسيًا هي هوية تُبنى على مشاعر مشتركة: الفخر، الحماسة، الانتماء.
فالمنتخب هو رمز محايد لا رئيس له طائفة، ولا حكومة، ولا حصص هو مساحة "محايدة" بامتياز.
حين يسجل اللاعب هدفًا أو يحقق المنتخب مفاجأة، يشعر المواطن بأنه جزء من "حدث جماعي" ولا ننسى وجود لاعبين من كل لبنان ومن الاغتراب ايضا ومن كل الطوائف.
المنتخب يصبح مرآة للبلد فأبناء طوائف مختلفة من مناطق مختلفة ولاعبون محليون ومغتربون كلهم تحت علم واحد.
وعلى الرغم من كل الإيجابيات، ليست الصورة وردية تمامًا فالانقسامات تظهر عند أول خسارة وتختلف التحليلات والانتماءات وتعود اللغة الطائفية في بعض الأحيان.
والأندية لا تزال تعكس الانقسام اللبناني وهذا يؤثر أحيانًا على الجمهور عند تشجيع المنتخب والإعلام يضخّم الانقسامات الداخلية عند اختيار لاعب أو مدرب معيّن، تدخل الحساسيات إلى النقاش.
وهذا كله مرده الى غياب سياسة رياضية وطنية اي ان ما يبنيه المنتخب في أسبوع، تهدمه المؤسسات في يوم.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
20:04
أكسيوس عن مصادر: تقييمات القادة العسكريين والمستشارين ساهمت في قرار ترامب بشأن وقف الضربات مؤقتا على إيران
-
20:04
الجيش: أوقفنا مواطنين في منطقة ذوق مصبح بحوزتهما نحو مليون حبة كبتاغون وحوالي 60 كلغ من حشيشة الكيف وسلاحًا حربيًّا ورمانة يدوية ومبلغًا من المال المزور
-
20:03
أكسيوس عن مصادر: قائد القيادة المركزية الأميركية أوصى بوقف الضربات حول مضيق هرمز بعد بلوغها أقصى حدود فعاليتها
-
19:48
الخارجية الروسية: لافروف يعرب عن تعازيه لعراقجي في مقتل بحار جراء هجوم أوكراني على سفينة تجارية إيرانية في بحر قزوين
-
19:48
وزير الدفاع الإسرائيلي: ندرس القيام بعمليات كالتي نفذناها بمخيمات شمال الضفة الغربية لاستهداف "النشاط الإرهابي"
-
19:45
تفجير إسرائيلي كبير في محيط كفرتبنيت
