اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

منذ اللحظة الأولى التي يصرخ فيها الإنسان معلنا ولادته إلى هذا العالم، تبدأ رحلة فريدة من نوعها، من تنظيم الخالق ومشيئته، تدعى الحياة. تلك الصرخة الأولى ليست مجرد صوت يملأ المكان بل هي إعلان حضور الكائن الذي خرج من سر الله، الذي أراده على صورته ومثاله. فأعطي هذا الكائن كل نعم الوجود والسلطة على باقي الكائنات الحية، لا ليتمتع بها فقط بل ليعمل على تمجيد الآب من خلالها، ليسمى بعدها هذا الكائن الحي، المميز في نظر الخالق، إنسانا. فكل إنسان هو مشروع إلهي، وجد عن قصد، لا بالصدفة، ليحمل بعدها معنى الوجود ويجسد حضور الخالق في الأرض.

يولد الإنسان صغيرا وضعيفا، لكنه يحمل في داخله بذرة القدرة على أن يكون شاهدا للحق والخير والجمال. وما بين صرخته الأولى وتنهيدته الأخيرة، يعيش رحلة اكتشاف ذاته، والبحث عن معنى وجوده، وعن الطريق التي تعيده إلى منبع المحبة الذي خرج منه. هذه الرحلة هي مشروعه الكبير: أن يكون إنسانا، بكل ما في الكلمة من عمق.

أن يكون الإنسان مولودا من لدن الآب، يعني أن يحمل في كيانه شعاعا من نوره الإلهي. وهذا النور لا يعطى له عبثا، بل ليضيء به الدروب المظلمة من حوله. فمجد الرب لا يعلن فقط في السماء، بل أيضا من خلال عمل الإنسان وفكره وتفاعله مع الآخر. أي عندما يحب ويغفر ويبني ويبدع وعندما يمجد الإنسان خالقه، ويصير مرآة تعكس وجه الله في العالم.هذا المشروع لا يكتمل ما لم يكتشف هذا الإنسان روح الله فيه ويمارس مسؤوليته تجاه الخليقة وتجاه إخوته البشر. فكل موهبة أعطاها الله له هي دعوة للخدمة، لا للأنانية، وكل وزنة يحملها هي أداة لعيش المحبة والإيمان والاخوة مع أخيه الإنسان. اذا، الإنسان الحقيقي هو ذاك الذي يفهم أن مجده لا يقاس بما يملك، بل بما يمنح، وأن عظمته ليست في الارتفاع فوق الآخرين، بل في الاتضاع أمام الله.

حين تأتي تنهيدة الوداع، لا تكون النهاية سوى اكتمال المسيرة. فالذي عاش إنسانيته بصدق، وأثمر حبا وعدلا وسلاما، يسلم أنفاسه الأخيرة كمن يعيد الوديعة إلى صاحبها، وقد نضجت وأزهرت. عندها فقط، بين صرخة الوجود وتنهيدة الوداع، يتحقق مشروع الإنسان، ويصير الكائن الترابي مرآة للخلود.


الأكثر قراءة

خشية من حرب أميركيّة - إيرانيّة تشعل المنطقة لبنان يضغط لتطبيق «المناطق التجريبيّة» هذا الأسبوع