لم يكن صباح الحادي عشر من تشرين الثاني، يوماً عادياً في مدينة صيدا. خرج الطفل جاد خليل سالم ذو الأعوام الستة من مدرسته "ثانوية الحاج بهاء الدين الحريري"، حاملاً حقيبته الصغيرة كما يفعل يومياً، من دون أن يدري أنّ رحلته إلى المنزل ستكون الأخيرة. ركِب جاد الباص الخاص الذي ينقله عادةً، غير التابع للمدرسة، فيما كان السائق يتحرّك مبتعداً عن حرم الثانوية. دقائق قليلة فقط كانت كافية لتحويل المسار من روتين يومي إلى مأساة، حين أطلّ جاد برأسه من نافذة الحافلة، فارتطم بشجرة على جانب الطريق، ما أدى إلى كسر في رقبته. نُقل الطفل إلى المستشفى، لكن قلبه الصغير ما لبث أن توقّف.
هزّ الخبر الشارع الصيداوي واللبناني ككل، وأصدرت الثانوية بياناً عبّرت فيه عن حزنها العميق، معلنة أنها ستتخذ صفة الادعاء الشخصي على السائق بتهمة الإهمال، وعلى كل من يظهره التحقيق متسبباً بالوفاة.
أعاد هذا الحادث فتح ملف سلامة النقل المدرسي بقوة، خصوصاً مع تكرار حوادث مماثلة خلال الأسابيع الماضية، بين عرمون وصور وصيدا وزحلة، حيث أسفر انقلاب حافلة مدرسية على أوتوستراد زحلة قبل أيام، عن إصابة عدد من الطلاب، بعد اصطدام الباص بسيارة "فان" عند مستديرة الرحاب.
هذا التتابع السريع للمآسي، أعاد إلى ذاكرة اللبنانيين حادثة الطفلة نسرين عزّ الدين منذ أشهر، التي سقطت من فجوة في أرضية الباص المهترئة في طرابلس، قبل أن تدهسها الحافلة نفسها بالخطأ. ثلاثة حوادث وأكثر في أقل من سنة... وجميعها تكشف هشاشة منظومة النقل المدرسي.
من زحلة إلى شمسطار... أمهات على حافة القلق
الذعر لم يقتصر على الأهالي في المدن التي شهدت الحوادث، بل امتدّ إلى مناطق بعيدة، ومنها بلدة شمسطار في البقاع. تقول حنين، وهي أم لطفل يدعى مهدي يرتاد مدرسة في زحلة، إنها تعيش منذ أسابيع في خوف دائم بعد تزايد الحوادث. تروي لـ"الديار" بقلق واضح:
"بعد كل ما حصل، بدأت أفكّر جدياً بأن أمتنع عن إرسال مهدي بالباص. المركبة التي تقله لا تتمتع بأي من معايير السلامة العامة، لا من الداخل ولا من الخارج. المقاعد غير ثابتة، النوافذ واسعة ومفتوحة، ولا يوجد أي مراقب داخل الحافلة".
وتتابع حنين أنّها حاولت التواصل مع سائق الباص، طالبةً منه وضع مساعد أو مراقب يرافق الأطفال حفاظاً على سلامتهم، إلا أن السائق ــ كما تقول ــ استهزأ بطلبها، وأجابها بأن "جميع باصات المدارس في المنطقة لا تضم مساعدين". وتضيف بنبرة حسرة: "لو كانت الحوادث فردية لربما تجاهلنا الموضوع، لكن ما يحصل أصبح ظاهرة. لا يمكن أن ننتظر وقوع مأساة جديدة في البقاع أو غيره كي نتحرك".
وتؤكد حنين أنّ معظم الأهالي في شمسطار والبقاع يعانون المخاوف نفسها، "فباصات المدارس في لبنان، باستثناء بعض المؤسسات الكبرى، تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط السلامة، بدءاً من الصيانة إلى الانضباط إلى وجود مراقب مسؤول".
القوانين موجودة... لكن الجميع مقصّر
وفي محاولة لفهم واقع النقل المدرسي من زاوية مهنية وقانونية، قدم رئيس المرصد اللبناني لسلامة السير ميشال مطران لـ "الديار" عرضاً دقيقاً ومفصلاً للوضع، مؤكداً "أنّ ملف النقل المدرسي محكوم بالقانون 551/96 المتعلق بوسائل نقل تلامذة المدارس، إضافة إلى قانون السير 243/2012، ما يعني أن الإطار القانوني موجود وواضح، وأن المشكلة الأساسية لا تكمن في النصوص، بل في غياب التطبيق".
ويشير الى "أنّ مسؤولية الرقابة والتنفيذ تقع على ثلاث جهات أساسية هي: إدارات المدارس وقوى الأمن الداخلي والشرطة البلدية"، لافتاً إلى "أنّ الجهات الثلاث مقصّرة بشكل واضح، وأن لبنان يفقد سنوياً حوالى 85 طفلاً بين قتيل وجريح أثناء الذهاب أو العودة من المدرسة، وهو رقم لا يمكن القبول به أو التعايش معه بأي شكل".
الاكتظاظ... غياب المراقبين
وغياب شروط السلامة!
ويشدد مطران على "أنّ القانون يمنع بشكل صارم تجاوز عدد التلامذة في الحافلة للعدد المحدد في رخصة المركبة، كما يمنع وضع كراسٍ إضافية أو سدّ الممر الوسطي، لأن ذلك يشكّل خطراً مباشراً على حياة الطلاب، ويعرقل عمليات الإخلاء عند الطوارئ".
ويرى أن "واحدة من أكبر الثغرات تكمن في غياب المراقبين داخل الحافلات، رغم أن القانون اللبناني يفرض وجود مراقب في كل حافلة مدرسية، سواء كانت مملوكة للمدرسة أو مستأجرة. ويجب أن يكون هذا المراقب فوق الـ 21 عاماً ، وحسن السيرة والسلوك، وملماً باستخدام مطفأة الحريق وصندوق الإسعافات الأولية، وقادراً على القراءة والكتابة لتنظيم لوائح الطلاب. وتشمل مهامه التواجد داخل الحافلة قبل دخول التلاميذ وحتى نزول آخر طفل، والإشراف على ضبط النظام ومتابعة عملية خروج الطلاب، والمشاركة في وضع خط سير الرحلة، وعدم التحدث إلى السائق إلا عند الضرورة، إضافة إلى تسليم أطفال الروضات والحلقة الأولى إلى ذويهم شخصياًن وعدم تركهم في الشارع".
ويؤكد "أن غياب هذا المراقب يشكّل مخالفة واضحة للقانون، ويعرّض السائق ومالك الحافلة وإدارة المدرسة إلى غرامات مالية، إضافة إلى مسؤوليات مدنية وجزائية، في حال وقوع أي ضرر".
ويضيف "أن السائق ومالك الحافلة وإدارة المدرسة يتحملون جميعهم بالتضامن المسؤولية المدنية، عن أي ضرر يصيب الطلاب خلال عملية النقل، كما يتحمل السائق والمراقب المسؤولية الجزائية عند الإهمال. ويلزم القانون مالك الحافلة بعقد تأمين شامل يغطي كل الأضرار الناتجة عن الحوادث، لكن كثيراً من الحافلات تعمل من دون أي تأمين فعّال، ما يعرض حياة الأطفال للخطر، ويترك أهاليهم بلا حماية قانونية".
ويشير الى ان "شروط السلامة الإضافية التي يفرضها قانون السير الجديد، تشمل ضرورة وجود أبواب ونوافذ آمنة ومقاعد مثبتة جيداً، وأجهزة إطفاء وصندوق إسعافات أولية، وإنارة داخلية كافية وملصقات تحذيرية تمنع التشويش على السائق، مع منع أي تعديل على بنية الباص أو القيام بأي ممارسة تهدد سلامة التلاميذ، مثل التدخين أو الأكل أو التلهي أثناء القيادة".
تعاميم بلا تنفيذ...
وواقع يزيد خطورته كل يوم
الحوادث المتتالية دفعت وزيرة التربية ريما كرامي إلى إصدار بيان، عبّرت فيه عن أسفها العميق، مؤكدة ضرورة التشدد في مراقبة النقل المدرسي. فأصدرت تعميماً دعت فيه إلى منع أي عملية نقل من دون وجود مراقب، وتحميل السائق والمالك والمدرسة المسؤولية المدنية الكاملة، وفرض تأمين إلزامي على كل الحافلات، وتفعيل دور وحدات الوزارة المختصة لمتابعة تنفيذ هذه الإجراءات. إلا أنّ السؤال الأساسي يبقى: هل ستُنفّذ هذه التوجيهات فعلياً؟ أم ستبقى حبراً على ورق كما حصل في السنوات الماضية، في ظل غياب الرقابة وترك القطاع ليتصرّف بعشوائية تامة؟
أطفالنا ليسوا أرقاماً
وتكشف التحقيقات والشهادات والقوانين والتقارير، أنّ أزمة النقل المدرسي في لبنان ليست حادثاً طارئاً، بل منظومة متراكمة من الإهمال والتساهل وغياب الرقابة. جاد ونسرين وجرحى زحلة... ليسوا مجرد أرقام في سجلات الحوادث، بل ضحايا نظام كامل قرر أن يغضّ النظر عن أبسط حقوق الطفل وهي الأمان.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:44
حزب الله: ما أقدم عليه العدو الإسرائيلي في النبطية الفوقا انتهاك فاضح لوقف إطلاق النار الذي التزمنا به
-
13:41
وصول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة الباكستانية
-
13:40
حزب الله: جيش العدوّ الإسرائيلي أطلق النار على مدنيين في حي الدير بالنبطية أثناء فتح الطرقات وانتشال جثامين من تحت الأنقاض
-
13:40
حزب الله: نحذر من أن ما أقدم عليه العدو يُعدّ انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي التزمت المقاومة به حتى الآن
-
13:38
وصول الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الى باكستان
-
13:22
نائب وزير الخارجية الروسي: خطر حدوث صدام عسكري بين روسيا وحلف "الناتو" آخذ في الازدياد
