اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

حين وصلت السفينة الأميركية USS Supply إلى شاطئ حيفا في ربيع عام 1848، لم يكن أحد يتخيّل أن تلك البعثة الصغيرة ستصبح بعد عقود طويلة، علامة على البداية الفعلية للتدخّل الأميركي في فلسطين والمشرق. فالولايات المتحدة، التي كانت لا تزال قوة فتية محصورة جغرافياً في نصف قارة، أرسلت فجأة وفداً بحرياً إلى قلب الإمبراطورية العثمانية للقيام بعمل علمي – جغرافي – روحي.

لكن ما تسرده المؤرخة كارول ليا كلارك في كتابها Clash of Eagles، الذي نترجمه هنا بعنوان ارتطام النسور، يكشف أن المشروع كان أكبر بكثير من مجرد رحلة مسح. فقد حملت البعثة بذور السياسة الأميركية في الشرق قبل النفط، وقبل “إسرائيل”، وقبل الحروب الكبرى… بل قبل أن تتبلور فكرة "الشرق الأوسط" نفسها.

مشهد الافتتاح: أميركا تصل

فلسطين وتنجو من الموت

يبدأ الكتاب بمشهد يكاد يصبح رمزا لِما تريد المؤلفة قوله: الضابط البحري ويليام فرنسيس لينش، قائد البعثة، يصل إلى حيفا وهو مصاب بالجدري، يترنح على قاربه وسط أمواج شرسة، فينقلب به القارب، ويكاد يغرق لولا تدخل صيادين عرب أنقذوه في اللحظة الأخيرة.

المشهد سرديّ وصادم، لكنه يحمل دلالة: أميركا تدخل فلسطين مفككة، لكنها تريد أن تثبت حضوراً، وأن ترفع علمها في أرض كانت تُعدّ تقليدياً ساحة النفوذ الأوروبي.

لينش نفسه، بعد أن يقف لاحقا فوق جبل الكرمل، يكتب بانبهار لافت: "هنا مرّت أقدام الأنبياء... وهنا تجلّى المسيح". بهذه النظرة الإنجيلية – الرومانسية تبدأ الحكاية.

فلسطين 1848: أرض العثمانيين

ومسرح تنافس إمبراطوري

تكشف كلارك أن البعثة الأميركية جاءت في سياق مزدحم: الإمبراطورية العثمانية تحاول الحفاظ على سيطرتها على ولايات واسعة، بينها فلسطين.

بريطانيا وفرنسا تسعيان إلى ترسيخ نفوذهما في الطرق المؤدية إلى الهند ومصر قبل شقّ قناة السويس. روسيا القيصرية تراقب وتطمح إلى منافذ دافئة جنوبا. الولايات المتحدة، القوة الجديدة، تبحث عن امتداد رمزي، وعن حضور ثقافي وروحي، بعد انتصارها على المكسيك واتساع رقعتها غرباً.

تسمي كلارك هذا التنافس "ارتطام النسور": نسر عثماني يَهوي، نسران أوروبيان يحومان بثقة، ونسر أميركي يصعد ببطء، لكنه لا يخجل من دخول سماء ليست له بعد.

لماذا جاءت أميركا إلى فلسطين؟

تجيب المؤلفة بأن الخطوة لم تكن صدفة، بل نتاج تلاقٍ بين ثلاثة عناصر فكرية وسياسية:

1- الدافع الديني – فلسطين بصفتها "الإنجيل الخامس":

الكثير من البروتستانت الأميركيين في القرن التاسع عشر رأوا في فلسطين مسرحاً حياً لنصوص الكتاب المقدّس. كانت البعثات التبشيرية والمدارس البروتستانتية تتزايد، وكانت زيارة الأرض المقدسة تُعدّ جزءاً من "إحياء ديني" أميركي واسع. تفسير فلسطين كان لاهوتياً بقدر ما كان جغرافياً.

2- الدافع السياسي – بداية التطلع العالمي الأميركي:

بعد الحرب المكسيكية (1846–1848)، ازدادت ثقة واشنطن بقدرتها على التوسّع جغرافياً ونفسياً. ومع ظهور عقيدة القدر المتجلّي (Manifest Destiny)، بدأ الأميركيون يرون أنفسهم شعباً مختاراً يحمل رسالة حضارية.

3- الدافع العلمي – منافسة أوروبا واستعادة المبادرة:

فشلت بعثات أوروبية متعددة في رسم خرائط دقيقة للبحر الميت، ومات بعض قادتها في الصحراء. وهكذا أراد الأميركيون أن ينجزوا ما عجز عنه البريطانيون والفرنسيون، وأن يثبتوا جدارتهم العلمية والبحرية.

الطريق إلى نهر الأردن…

فلسطين بعيون غربية

من حيفا إلى طبريا ثم وادي الأردن، استطاعت البعثة أن ترسم صورة فلسطينية واقعية في لحظتها التاريخية: مدن ساحلية صغيرة ذات حياة تجارية محدودة. سلطة عثمانية متقطعة الحضور تعتمد على متصرفين وقادة محليين. قبائل بدوية تسيطر على الطرق وتفرض الخوّة على القوافل. مجتمع زراعي يعتمد على المطر ومواسم الحبوب والزيتون. تنوع ديني واسع بين مسلمين ومسيحيين ويهود، لكن بلا مركزية دينية واحدة. وقد رافق ذلك كله رؤية استشراقية مألوفة لدى الرحالة الغربيين: إعجاب بالطبيعة، مع استعلاء تجاه السكان.

المغامرة الكبرى: النزول في نهر الأردن

هو الجزء الأكثر إثارة في الكتاب. فقد جرى تحميل قاربين حديديين على ظهور خيول هزيلة تم تأجيرها من العثمانيين، في عملية أشبه بالكوميديا السوداء. ثم نزلت البعثة نهر الأردن مندفعَةً إلى الجنوب، لتواجه: دوامات خطرة تبتلع المجاديف. صخوراً مدببة تكسر الألواح. حرّاً خانقاً، ونقصاً في الماء الصالح للشرب. مخاوف من هجمات بدوية.

ومع كل تحدٍّ، كان لينش يكتب وكأنه يسجّل لحظة ميلاد أميركا في الشرق. لقد أراد أن تُوثَّق البعثة كإنجاز وطني، لا كرحلة استكشافية فقط.

عند البحر الميت: بين العلم والأسطورة

كان الوصول إلى البحر الميت ذروة الرحلة. هنا انكشفت طبيعة المكان: ملوحة تجعل الجسد يطفو بقوة غير مألوفة. خراب جيولوجي يذكّر النصوص الدينية بسدوم وعمورة. صمت خرافي يوحي بأن الطبيعة ذات ذاكرة غضب قديم.

سجّل لينش قياسات دقيقة لعمق البحيرة، ومستواها المنخفض جداً عن سطح البحر. وكان هذا أول توثيق علمي موثوق للبحر الميت، جعل البعثة تُعدّ لاحقاً إنجازاً حقيقياً في تاريخ الجغرافيا. لكن العلم لم يكن وحده الحاضر؛ فقد كان الكتاب منذ بدايته إلى نهايته يمزج بين الأرض كواقع والأرض كرمز توراتي.

ما الذي حملته البعثة إلى واشنطن؟

لا تبالغ كلارك حين تقول إن البعثة كانت الخطوة الأولى في اهتمام أميركي منسّق بفلسطين. فبعد العودة:

- إحتفلت الصحف الأميركية بإنجاز علمي "تفوق على الأوروبيين". اعتُبر لينش بطلاً قومياً. بدأت جمعيات دينية وسياسية تضغط من أجل حضور أميركي أكبر في المنطقة. وبعد سنوات قليلة، ستنشأ مدارس ومستشفيات بروتستانتية أميركية في القدس وبيروت وعكا.

- ومع مطلع القرن العشرين، ستبدأ واشنطن تنظر بوضوح إلى فلسطين باعتبارها جزءاً من سياق سياسي أكبر يشمل تركيا، مصر، والجزيرة العربية. وهكذا تحولت بعثة صغيرة إلى انزياح نفسي – سياسي في العقل الأميركي تجاه المشرق.

إرتطام النسور… لا مجرد رحلة

نجاح المؤلفة يكمن في أنها لا تنظر إلى الرحلة كسرد منفصل، بل كفصل من فصول تشكل الوعي الأميركي تجاه المشرق. فهي ترى أن فلسطين لم تكن مجرد "أرض الكتاب المقدس"، بل كانت أيضاً: مرآة لاختبار القوة الأميركية الصاعدة. ساحة أولى لصدام ناعم مع القوى الأوروبية. نقطة انطلاق لعلاقات أميركية – عربية – عثمانية ستتطور في القرن التالي.

وإذا كانت الولايات المتحدة اليوم قوة مركزية في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط، فإن جذور هذا النفوذ لم تبدأ في الحرب العالمية الثانية ولا في اكتشاف النفط… بل بدأت، كما يبين الكتاب، في رحلة شاقة على نهر الأردن قبل 177 عاماً.

الخلاصة: فلسطين كانت مفتاحاً مبكراً لفهم أميركا

يكشف ارتطام النسور أن الولايات المتحدة، حتى وهي دولة فتية غير استعمارية رسمياً، كانت تحمل رؤية عالمية تريد من خلالها: أن تضع بصمتها الدينية – الحضارية. أن تنافس القوى الأوروبية التي احتكرت الشرق قروناً. أن تفهم المنطقة بوصفها امتداداً لخطابها السياسي والروحي.

إنها لحظة تأسيسية في علاقة طويلة ومعقدة ستتحول لاحقاً إلى سياسة، وإلى تحالفات وصراعات، وإلى حضور أوسع من أي قوة أخرى.

وهكذا، يمكن القول أن التدخل الأميركي في فلسطين لم يبدأ مع القرن العشرين… بل بدأ مع ويليام لينش، ومع ارتطام النسر الأميركي بسماء الشرق لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة.

الأكثر قراءة

ليلة القبض على دونالد ترامب