بعد سنوات من الشغور المتراكم في المناصب القيادية العليا للدولة، عاد ملف تعيينات الفئة الأولى إلى واجهة العمل الحكومي في لبنان، وسط محاولات جادة لملء الوظائف الحيوية، وفق آليات رسمية جديدة تعتمد الكفاءة والشفافية، بدلاً من المحاصصة والمحسوبية. لكن الواقع السياسي والطائفي يبقي هذه العملية معقّدة، كون الصراع على السلطة يجعل القوى والأحزاب في حالة استنفار دائمة.
وإذ أقرّ مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة سلسلة تعيينات إدارية جديدة ، شملت إعادة تشكيل المجلس الأعلى للجمارك، في خطوة تندرج ضمن مسار تحديث الإدارة، وتعزيز الحوكمة في المرافق الحيوية، يبقى هناك 64 مركزاً شاغراً من الفئة الأولى، 39 منها تُعتبر "ذات أولوية"، وسيتمّ العمل على شغلها على ما وعدت الحكومة خلال الأشهر المقبلة.
غير أنّ مصادر سياسية مطلعة تخشى من حصول تأخير إضافي في ملء الشواغر والتعيينات الأساسية، كونها تتمّ بناء على المحاصصة السياسية والطائفية بدلاً من الكفاءة، ما يؤدي إلى استمرار الفراغ في مراكز مهمة. علماً بأنّ الحكومة أقرّت في آذار من العام المنصرم، آلية جديدة لإعادة هيكلة تعيينات الفئة الأولى، تقوم على معايير الكفاءة والجدارة، واعتمدت إجراءات شفّافة تمثّلت بالإعلان الرسمي على منصّة التعيينات الحكومية، ومن ثم تقييم الطلبات، وإجراء المقابلات الشفوية، ثم رفع الترشيحات إلى مجلس الوزراء. فضلاً عن أخذ ترشيحات داخليّة وخارجيّة، بناءً على الخبرة المهنية والكفاءة. لكنّ ذلك لم يحصل في جميع التعيينات التي أقرّت حتى الآن، بل تأثّر ملء الوظائف العليا بالتوافق السياسي والمفاوضات داخل مجلس الوزراء، وليس فقط بالآليات المهنية.
ويبلغ العدد الإجمالي لوظائف الفئة الأولى في لبنان حالياً، بحسب الأرقام 236 وظيفة، تُقسم بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين (118 وظيفة لكلّ منهم). فيما يبلغ الشغور الحالي في الفئة الأولى، بحسب ملف وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية فادي مكّي 64 مركزاً، بعد أن جرى ملء 42 مركزاً من ضمن الشغور في وظائف الفئة الأولى، منذ بدء عهد حكومة الرئيس نوّاف سلام حتى يومنا هذا.
وتشير الإحصاءات السابقة إلى أن ما يقرب من 56٪ من وظائف الفئة الأولى (134 من أصل 236) كانت شاغرة، مع توزيع متفاوت بين الطوائف، قبل بدء تنفيذ آلية التعيينات التي أعلنتها الحكومة الحالية. وأظهرت أن المناصب المارونية، على سبيل المثال، منذ سنوات كانت من بين الأكثر شغوراً مقارنة بحصصها الدستورية، كما أن مواقع قيادية أخرى لطوائف سنّية وشيعية وروم أرثوذكس وكاثوليك، بقيت دون ملء لفترات طويلة بسبب الجمود السياسي وطول زمن التوافق داخل مجلس الوزراء.
وتتوزّع الوظائف من الفئة الاولى على الطوائف، بحسب بيانات "ليبانون ستاتيستيكس" الأخيرة، على النحو الآتي: الموارنة: 34 وظيفة- الروم الأرثوذكس 27- الروم الكاثوليك 14- السنّة 27- الشيعة 27- الدروز 8. وتسجّل أعلى نسبة شغور عند الموارنة (بين 14 و16 وظيفة)، وشغور في إدارات تقنية لدى الأرثوذكس (9- 10)، ومتوسط لدى الكاثوليك (4- 5)، وشغور في إدارات مركزية لدى السنّة (بين 10- 12 وظيفة)، وشغور أقلّ نسبياً لدى الشيعة (8 - 9 وظائف)، وشغور مرتبط بالتوازنات السياسية لدى الدروز (3 أو 4 وظائف). وبالنسبة للأرمن هناك شغور بين 2 و 4، وللأقليات بين 1 و4 وظائف. وهناك وظائف مستحدثة: 16 مركزاً لم تُحدّد طائفتها بعد.
ويعكس الشغور الأعلى في المراكز المسيحية، على ما تلفت المصادر، إلى فجوة واضحة بين الواقع والمادة 95 الدستورية التي تؤكد المناصفة. ولهذا فإنّ أي محاولة لتعويض هذه الشواغر، تحتاج إلى موازنة دقيقة بين الكفاءة والطوائف، وإلا سوف يودّي الأمر إلى توتّرات سياسية.
أمّا فتح باب الترشّح لبعض المواقع العليا في الإدارة العامّة (مثل رئاسة مجالس إدارة وهيئات أو مديريات عامّة)، الذي أعلنت عنه وزارة الطاقة والمياه ووزارة التنمية الإدارية، منذ أيلول الماضي عبر موقع التعيينات الرسمي، فلا يلغي المحسوبيات، بحسب رأي المصادر، سيما وأنّ معالجة الترشيحات، وفق الإجراءات الجديدة، تتمّ بسريّة.
وبعد إغلاق مرحلة تقديم الطلبات والفرز الأولي ، الذي يقوم به مجلس الخدمة المدنية ولجنة مختصة، من المرجّح أن تُعلن الحكومة أو الوزراء المعنيّون عن قوائم قصيرة للمرشّحين، وليس عن قائمة بأسماء كلّ المتقدّمين لهذا المنصب أو ذاك. ثم يتمّ اختيار المرشّحين النهائيين لكلّ منصب للإحالة على مجلس الوزراء للموافقة الرسمية. الأمر الذي يعطي فرصة لبعض المتقدّمين "غير المدعومين"، لكنّ فوزهم بالمنصب تكون أقلّ بكثير من المتقدّمين من ذوي الوساطة السياسية، إذ يجري تهميش طلباتهم، نظراً لوجود منافسين لهم من "المدعومين" سياسياً أو حزبياً.
وحتى الآن هناك 6 وظائف شاغرة في الفئة الأولى وذات أولوية، على ما أوضحت المصادر المطلعة، لا تزال قيد الإعلان وجاهزة للتقديم عبر المنصة الإلكترونية. هي:
1ـ مدير عام التعليم العالي – وزارة التربية والتعليم العالي (وظيفة مفتوحة للتقديم حتى 29 كانون الثاني الجاري).
2ـ مدير عام وزارة الصحة العامة – وزارة الصحة العامة (حتى 22 كانون الثاني الجاري).
3ـ أمين عام المجلس الأعلى للخصخصة والشراكة – رئاسة مجلس الوزراء (حتى 21 كانون الثاني 2026).
4ـ مدير عام النفط – وزارة الطاقة والمياه (حتى 25 كانون الثاني 2026).
5ـ رئيس مجلس إدارة المعهد الوطني للإدارة (متفرّغ) – مجلس الخدمة المدنية (حتى 22 كانون الثاني 2026).
6ـ مدير عام المعهد الوطني للإدارة – مجلس الخدمة المدنية (حتى 22 كانون الثاني الجاري).
من هنا، لا يمكن الدخول بالأسماء منذ الآن، على ما تلفت المصادر السياسية، كون باب تقديم الترشيحات لبعض المراكز العليا لم يقفل بعد. كذلك فإنّ التداول بالأسماء بين الجهات المعنية، يجري بعد الفرز وإجراء المقابلات، أي خلال الأسابيع المقبلة.
ورغم إعلان الآلية الجديدة واعتمادها من قبل الحكومة الحالية، تبقى الاختيارات النهائية خاضعة لتوازنات سياسية وطائفية، وفق المصادر السياسية، إذ تتعامل القوى والأحزاب مع وظائف الفئة الأولى، كجزء من صفقات أكبر تشمل المالية والهيئات المستقلة. كما أنّ الطائفية تُستخدم أحياناً كغطاء شرعي للتفاوض بين الأحزاب على النفوذ داخل الإدارة. من هنا، فإنّ أي إخلال بالمناصفة أو تجاهل التوازن الطائفي، قد يؤدي إلى تعطيل التعيينات أو تأخيرها أكثر.
وتختم المصادر بالقول بأنّ ملف التعيينات للفئة الأولى يعكس التحدي البنيوي للإدارة اللبنانية، بين الدستور الذي يطالب بالمناصفة، والواقع الذي يفرض التوازنات السياسية والمحاصصات، وبين الإصلاح الإداري الذي يسعى إلى الكفاءة والشفافية. والنجاح في ملء 39 مركزاً ذي أولوية من المراكز الـ 64 الشاغرة خلال الأشهر المقبلة، سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على إدارة الدولة كمؤسسة مستقلة وفعّالة، بعيداً عن المحسوبيات والمحاصصات.
يتم قراءة الآن
-
مُؤتمر دعم الجيش غير مربوط بالمرحلة الثانية... واستنفار لبناني لإنجاحه وسطاء يدخلون على الخط لتحسين العلاقة بين عون وحزب الله قاسم: تنفيذ اتفاق وقف النار مرحلة واحدة... وحصريّة السلاح شأن لبناني بحت
-
الضياع الأميركي و"الإسرائيلي" في الشرق الأوسط
-
ملعب النجمة في حلّته الجديدة... وعودة الحياة الى قلب "المنارة"
-
هذا ما يرسمه بن فرحان لسنّة لبنان
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:58
الاتفاق مع قسد يتضمن وقف إطلاق نار شاملا وفوريا على كل الجبهات ونقاط التماس
-
17:57
الاتفاق مع قسد ينص على دمج كل المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية
-
17:48
الرئيس السوري يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قسد واندماجها الكامل في الجيش
-
17:47
الشرع: كنا على موعد مع مظلوم عبدي اليوم لكنه تأخر بسبب الطقس
-
17:47
الشرع: سيتم حل كل الملفات العالقة مع قسد
-
17:46
الشرع: وجهت بوقف النار وأوصي العشائر العربية في الرقة بالهدوء
