اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب


لم تعد الحروب في النظام الدولي المعاصر، تُخاض بالمعنى التقليدي الذي عرفه العالم في القرن الماضي. فالقوى الكبرى، وفي مقدّمها الولايات المتحدة، باتت تميل إلى نمط مختلف من الصراع، يمكن توصيفه بـ"حروب السيطرة بلا حرب"، حيث تُدار المواجهة بأدوات اقتصادية ومالية وسياسية ونفسية، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مكلفة وغير مضمونة النتائج.

في هذا الإطار، يمكن قراءة الضغوط المتواصلة التي تتعرّض لها إيران منذ انتصار ثورتها، والتي لم تبادر يوماً إلى حرب تقليدية، لكنها وجدت نفسها باستمرار في دائرة الاستهداف والعقوبات والعزل، ضمن محاولة لإضعافها أو تطويعها، من دون الذهاب إلى حرب شاملة قد تفتح أبواباً إقليمية ودولية لا يمكن ضبطها.

السيطرة بلا حرب: أدوات

أقل ضجيجاً وأكثر أثراً

تعتمد حروب السيطرة الحديثة على مبدأ بسيط: تحقيق أهداف استراتيجية كبرى بأقل كلفة سياسية وعسكرية ممكنة. وهي حروب تُدار بالصبر والزمن، لا بالاجتياحات.

- أولاً: السلاح الاقتصادي

تشكل العقوبات الاقتصادية حجر الزاوية في هذا النوع من الصراع. فاستهداف العملة، والنظام المصرفي، وقطاع الطاقة، وسلاسل التوريد، يؤدي إلى إنهاك الدولة من الداخل، وإضعاف قدرتها على تلبية الحاجات الاجتماعية، من دون الحاجة إلى قصف أو تدمير.

هذا النمط من الحروب لا يدمّر البنى التحتية، لكنه يضغط على المجتمع ويُراكم الأزمات المعيشية، بما يحوّل الاقتصاد إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

- ثانياً: الحرب النفسية والإعلامية

إلى جانب الاقتصاد، تُستخدم أدوات إعلامية ونفسية لتضخيم الأزمات، ونزع الشرعية عن الدولة ومؤسساتها، وتحويل أي خلل بنيوي أو ظرفي إلى دليل على فشل شامل. والهدف هنا ليس إسقاط النظام بالقوة، بل كسر ثقة المجتمع بدولته وبقدرته على الصمود.

- ثالثاً: الاستثمار في الانقسام الداخلي

تُدار هذه الحروب أيضاً عبر تعميق الانقسامات الاجتماعية أو السياسية، وتحويل الاحتجاجات المطلبية إلى صراعات داخلية حادة. وفي هذه المرحلة، لا تسقط الدولة بفعل الخارج، بل تبدأ بالتآكل من الداخل، وهو أخطر أشكال الاستنزاف.

- رابعاً: العزل السياسي والديبلوماسي

يشكل الحصار السياسي مكمّلاً للحصار الاقتصادي، من خلال شيطنة الدولة المستهدفة، وعزلها دولياً، والحدّ من قدرتها على بناء تحالفات فاعلة، بما يقيّد هامش المناورة ويطيل أمد الأزمة.

الردع الإيراني: منع الحرب

لا إنهاء الصراع

في مواجهة هذا النمط من الحروب، طوّرت إيران استراتيجية ردع مختلفة عن النموذج التقليدي، تقوم على رفع كلفة أي مواجهة مباشرة، من دون السعي إلى حسم سريع أو مواجهة مفتوحة.

من الواضح أن إيران تواجه تحديات حقيقية، أبرزها الضغوط الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية والعزلة الدولية، وهي عوامل لا يمكن التقليل من أثرها. غير أنّ هذه التحديات لم تُلغِ عناصر قوة أساسية في معادلة الردع:

- العنصر الاول: الردع غير المتماثل، حيث لا تعتمد إيران على نمط مواجهة تقليدي، بل على مزيج من القدرات الصاروخية، والانتشار الإقليمي، والقدرات البحرية غير التقليدية، ما يجعل أي حرب محتملة غير قصيرة وغير قابلة للتحكم بتداعياتها.

- العنصر الثاني: يتمثل في الجغرافيا الاستراتيجية، لا سيما موقع مضيق هرمز والعمق الجغرافي الإيراني، ما يرفع منسوب المخاطر الإقليمية والدولية لأي مواجهة عسكرية.

- العنصر الثالث: تعدد الجبهات المحتملة، إذ إن أي تصعيد مباشر قد يمتد تلقائياً خارج الحدود الإيرانية، وهو ما يشكل رادعاً عملياً أمام خيار الحرب الشاملة.

ويضاف إلى ذلك الصبر الاستراتيجي، حيث تميل إيران إلى الرد المؤجّل والمدروس، واختيار التوقيت والساحة المناسبين، بما يحول دون منح الخصم فرصة استثمار الضربة سياسياً أو عسكرياً.

خلاصة

تكشف تجربة الصراع مع إيران أن المنطقة تعيش في ظل نمط جديد من الحروب، لا يُحسم بسرعة ولا ينتهي بانتصارات واضحة. فالولايات المتحدة تملك أدوات ضغط فعالة، تتيح لها إضعاف الدول من دون حرب، لكنها في المقابل تدرك أن إسقاط دول كإيران بالقوة العسكرية، يحمل كلفة لا يمكن تحمّلها.

وفي المقابل، تمتلك إيران قدرة ردع تمنع الذهاب إلى حرب شاملة، لكنها لا تكفي وحدها لكسر الحصار أو إنهاء الصراع المفتوح.

وهكذا يستمر النزاع في إطار "حرب بلا حرب"، إستنزاف طويل الأمد، تبقى انعكاساته حاضرة في الإقليم كله، ومنه لبنان، الذي يدفع دائماً ثمن اهتزاز التوازنات الإقليمية، ولو من موقع المتفرّج.

الأكثر قراءة

مُؤتمر دعم الجيش غير مربوط بالمرحلة الثانية... واستنفار لبناني لإنجاحه وسطاء يدخلون على الخط لتحسين العلاقة بين عون وحزب الله قاسم: تنفيذ اتفاق وقف النار مرحلة واحدة... وحصريّة السلاح شأن لبناني بحت