بين شرقية وغربية، سلسلتان جبليتان تشكل أكثر من 70% من مساحة أراضي بلد جبلي بطبعه، حيث تلعب قمم الجبال دورا حيويا، فهي ليست مجرد تضاريس، بل تعتبر مخزونا استراتيجيا للموارد الطبيعية، وواجهة بيئية لحماية المعدل الحراري والهواء والمياه، فتصبح هذه القمم صمام أمان بيئي، لا يقل أهمية عن أي بنية تحتية حيوية، في بلد يعاني من انهيار اقتصادي وأزمات صحية متراكمة وتلوث متصاعد.
لكن هذا الصمام البيئي يتعرض اليوم لانتهاكات ممنهجة، بدءا من المقالع والكسارات غير المرخصة، مرورا بشق الطرق العشوائية ومشاريع البناء السياحي والعقاري، وصولا إلى التعدي على المشاعات والغابات المحمية. هذه الممارسات لا تدمر المشهد الطبيعي فحسب، بل تضرب التوازن البيئي وتستنزف المخزون المائي، محولة القمم من خط دفاع طبيعي إلى مصدر أخطار بيئية وصحية متراكمة.
مخالفات وتعديات
في هذا السياق، أكد رئيس "جمعية الأرض – لبنان" والناشط البيئي بول أبي راشد لـ "الديار" أن "قمم جبال لبنان تعد من أكثر المناطق حساسية بيئيا، وتشكل ركنا أساسيا من المنظومة الطبيعية في البلاد، فأهميتها لا تقتصر على بعدها الجغرافي أو الجمالي، بل تمتد إلى دورها المحوري في تغذية الموارد المائية، وحماية التنوع البيولوجي وتنظيم المناخ المحلي".
وأوضح أن "الواقع الميداني يشير إلى أن القمم الجبلية المرتفعة، لا سيما تلك الواقعة فوق علو 1900 متر تعد اليوم الأكثر هشاشة وتعرضا للضغوط البيئية"، ويعزو ذلك من جهة إلى "حساسيتها الطبيعية الشديدة، ومن جهة أخرى إلى تصاعد الأنشطة غير المنظمة كشق الطرقات العشوائية والإنشاءات واستثمار المقالع والكسارات، إلى جانب التعديات السياحية والعقارية".
يذكر انه وفق بيانات الأمم المتحدة، تتعرض مناطق مثل جبال سنانين وكنيسة لضغوط متعددة، تشمل المقالع غير القانونية والرعي الجائر، وأنشطة ترفيهية غير منظمة ما يؤدي إلى تآكل التربة وتقليص الغطاء النباتي، ويضعف قدرة التربة على احتجاز المياه، ما يزيد من هشاشة القمم ويعزز مخاطر الأزمات البيئية المستقبلية.
حماية القمم بالمقاربة الوقائية
وشدد أبي راشد على أن "هذه المخالفات ليست حوادث فردية، بل نمط متكرر على مدى سنوات، مستفيدا من ضعف الإطار القانوني وغياب الرقابة الجدية وتراخي المحاسبة، ما فتح الباب أمام استباحة هذه المناطق الحساسة دون رادع فعلي" . ويشرح أن "أي تغيير في طبيعة القمم، سواء بالردم أو الحفر أو إزالة الغطاء النباتي، يؤثر مباشرة على قدرة الأرض على تخزين الثلوج والمياه وإطلاقها تدريجيا، ما يزيد خطورة الانهيارات الأرضية والفيضانات، ويهدد الأمن المائي في لبنان، خاصة في ظل التغير المناخي، وتراجع المتساقطات وازدياد فترات الجفاف، فالتعديات على قمم الجبال لا تقتصر على الموقع نفسه ، بل تصيب وظائفه الطبيعية الجوهرية، وعلى رأسها تغذية المياه الجوفية والسطحية".
ويضيف "كما تؤدي التعديات أيضا إلى فقدان القمم لغطائها النباتي، وتراجع مستويات المياه الجوفية، وتأثر الينابيع والآبار، فضلا عن اختفاء الموائل الطبيعية للكائنات الحية، ما يهدد التنوع البيولوجي والاستقرار البيئي في المناطق الجبلية. ومن هذا المنطلق، يجب حماية القمم بالمقاربة الوقائية"، مؤكدا أنه "لا يكفي انتظار وقوع الكوارث وإدارة الأزمات، بل يجب التحرك مسبقا للحفاظ على هذا المخزون الاستراتيجي للموارد الطبيعية".
حلول مقترحة لحماية الجبال
وفي خطوة رسمية لتعزيز حماية القمم، أصدر محافظ لبنان الشمالي بالوكالة، السيدة إيمان الرافعي، تعميما موجها إلى قائد درك منطقة الشمال، يقضي بحظر قيادة سيارات الدفع الرباعي والدراجات والآليات على المرتفعات الثلجية خارج مسار الطرقات. ويأتي هذا القرار استنادا إلى القوانين البيئية، الرامية إلى حماية التنوع البيولوجي، والحفاظ على البيئة الجبلية الهشة والموارد الطبيعية والمياه الجوفية، إضافة إلى حماية الأملاك العامة والخاصة.
وشدد التعميم أيضا على أهمية نشر التوعية ، وتفعيل دور شرطة البلديات بالتعاون مع القوى الأمنية، لضمان احترام هذه الإجراءات.
وتعزيزا لهذه الجهود، أصدرت وزارة الداخلية والبلديات تعميما، يحظر دخول السيارات الرباعية الدفع إلى الغابات، والخروج عن المسارات المحددة، حفاظًا على التنوع البيولوجي والنباتات الطبيعية، فيما أحيل التعميم إلى الجهات الأمنية المختصة، لاتخاذ الإجراءات اللازمة. وهذه الخطوات تأتي ضمن إطار أوسع لحماية البيئة الجبلية والقمم اللبنانية من التعديات غير المنظمة.
وتشمل الحلول المقترحة لحماية الجبال منظورا بيئيا متكاملا، عبر:
- وضع خطة وطنية لمراقبة المقالع والكسارات.
- فرض معايير للاستثمار السياحي البيئي.
- تنظيم الاستخدامات البشرية بشكل مدروس.
- مشاريع استعادة الغطاء النباتي عبر تشجير الأنواع المحلية بالتعاون مع المجتمعات المحلية والجمعيات البيئية والقطاع الخاص.
- تعزيز التعليم والتوعية لزرع ثقافة حماية الطبيعة في المدارس والجامعات وربط المعرفة بالواقع المعيشي للسكان.
إطار تشريعي
ويشير أبي راشد إلى أن "المرسوم 2366/2009 يشكل خطوة مهمة، لكنه غير كاف. فالحماية اليوم موزعة بين نصوص متفرقة، وتفتقر إلى تعريف واضح وشامل للقمم وآليات إدارتها".
ويضم لبنان مجموعة من القمم البارزة، التي تشكل مخزونا استراتيجيا للموارد الطبيعية أبرزها:
- القرنة السوداء بارتفاع 3088 مترا في السلسلة الغربية شمال البلاد، وهي أعلى قمة في لبنان والشرق الأوسط، وتستضيف غطاء نباتيا وحيوانات نادرة.
- أرز لبنان التي تصل إلى نحو 2500 متر، حيث تشكل رمزاً وطنياً وغطاء نباتياً، يحمي التربة والمياه الجوفية.
وتشمل القمم المهمة أيضاً سلسلة جبال لبنان الشرقية، التي تتراوح قممها بين 2000 و2800 متر على الحدود مع سوريا وجبل الشيخ بارتفاع 2814 مترا ، وجبل صنين (2628 مترا)، وجبل المنيطرة (2450 مترا) ضمن السلسلة الغربية، وجميعها تلعب دوراً أساسياً في تخزين الثلوج وتغذية المياه الجوفية، والحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية المناخ المحلي.
ويرى أبي راشد أن اقتراح القانون الجديد يهدف إلى وضع إطار تشريعي يحدد:
- نطاق القمم المشمولة بالحماية.
- طبيعة الأنشطة المسموح بها والممنوعة.
- آليات الرقابة والتنفيذ.
- مسؤوليات الإدارات المعنية والعقوبات على المخالفات.
ويشدد على "إن الهدف من القانون هو الانتقال من حماية جزئية وغير متناسقة إلى سياسة وطنية واضحة، تضمن الحفاظ على قمم الجبال كمخزون استراتيجي، وركيزة أساسية للتوازن البيئي في لبنان"، مشيرا إلى "أن اقتراح القانون قد تمت مشاركته مع وزارة البيئة وسائر الجهات المعنية، وأُدرج ضمن الإطار التشريعي، وأُحيل إلى مجلس النواب في آذار 2024 والذي تمّ تسجيله من قبل النائب الدكتور ميشال دويهي في البرلمان تحت رقم 2024/1503"، مضيفا أن "هذا يعني أن الملف أصبح في عهدة المؤسسات الدستورية المختصة، وعلى رأسها لجنة البيئة النيابية".
حماية قمم الجبال مسؤولية وطنية
ويؤكد أن "الاقتراح يفتح الباب أمام نقاش مؤسساتي شامل، ويضع أساساً قانونياً واضحاً يسمح لوزارة البيئة بأن تلعب دوراً أكثر فاعلية، مدعوما بنص صريح يحدد مسؤولياتها وآليات التدخل"، مشددا على أن "المسؤولية الأساسية عن حماية قمم الجبال تقع على عاتق الدولة، وعلى رأسها وزارة البيئة بالتعاون مع الإدارات المعنية الأخرى، لكن الواقع الحالي يبرز أن المشكلة لا تقتصر على تحديد الجهة المسؤولة، بل تكمن في غياب إطار قانوني متكامل، يسهل التنفيذ ويمنع تضارب الصلاحيات".
ويضيف أن "اقتراح القانون يسعى لسد هذه الفجوة عبر تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، ما يتيح للقوى الأمنية والنيابات العامة البيئية التحرك على أساس قانوني صلب، يسهل عمليات الضبط والملاحقة ويعزز الردع ضد المخالفات المتكررة".
ويشدد على أن "حماية قمم الجبال ليست ملفا ثانويا، بل مسؤولية وطنية أساسية ترتبط مباشرة بالأمن المائي والموارد الطبيعية"، وطالب وزارة البيئة "بتبني هذا التوجه الوقائي والاستعداد لتطبيقه عمليا ، فيما تقع على عاتق السلطة التشريعية مسؤولية إقرار قانون يحمي القمم، باعتباره استثمارا طويل الأمد في استقرار لبنان البيئي والمائي، وكلفته أقل بكثير من معالجة الأضرار بعد فوات الأوان".
ويختم ابي راشد "يتوجب على الرأي العام إدراك أن ما يحدث على القمم، لا يبتعد عن حياتنا اليومية، بل ينعكس مباشرة على المياه والمناخ وسلامة البيئة، وما يحمي القمم في النهاية هو حماية حقنا الجماعي في مواردنا الطبيعية".
إذا حماية قمم الجبال في لبنان، تعني حماية مستقبل البلاد، فهل ستتوحد الجهات المعنية للعمل على حمايتها؟ أم ستبقى على خط اللامبالاة، لتتضاءل فرص إنقاذ مستقبل بلد يعاني أصلا من ضبابية المصير؟
يتم قراءة الآن
-
مُؤتمر دعم الجيش غير مربوط بالمرحلة الثانية... واستنفار لبناني لإنجاحه وسطاء يدخلون على الخط لتحسين العلاقة بين عون وحزب الله قاسم: تنفيذ اتفاق وقف النار مرحلة واحدة... وحصريّة السلاح شأن لبناني بحت
-
الضياع الأميركي و"الإسرائيلي" في الشرق الأوسط
-
ملعب النجمة في حلّته الجديدة... وعودة الحياة الى قلب "المنارة"
-
هذا ما يرسمه بن فرحان لسنّة لبنان
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
17:58
الاتفاق مع قسد يتضمن وقف إطلاق نار شاملا وفوريا على كل الجبهات ونقاط التماس
-
17:57
الاتفاق مع قسد ينص على دمج كل المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن مؤسسات الدولة السورية
-
17:48
الرئيس السوري يوقع اتفاقا لوقف إطلاق النار مع قسد واندماجها الكامل في الجيش
-
17:47
الشرع: كنا على موعد مع مظلوم عبدي اليوم لكنه تأخر بسبب الطقس
-
17:47
الشرع: سيتم حل كل الملفات العالقة مع قسد
-
17:46
الشرع: وجهت بوقف النار وأوصي العشائر العربية في الرقة بالهدوء
