اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

 رأى الأستاذ الجامعي والخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية، البروفيسور حسن الموسوي، أنه لم يعد الاقتصاد العالمي يتحرك وفق منطق الأسواق وحده. ففي لحظة دولية تتصاعد فيها المخاطر الجيوسياسية، وترتفع كلفة الطاقة، وتتعرض الممرات البحرية الحيوية لضغوط متزايدة، بات واضحًا أن الحروب لم تعد مجرد وقائع عسكرية محصورة في ساحاتها المباشرة، بل تحولت إلى صدمات اقتصادية عابرة للحدود، تمتد آثارها سريعًا إلى التجارة والاستثمار والتمويل وسلاسل التوريد.

وفي عالم بلغ درجة غير مسبوقة من الترابط الاقتصادي والمالي، لم تعد الأزمات الإقليمية تبقى داخل حدودها الجغرافية. فاضطراب محدود في منطقة حساسة قد يكفي لزيادة كلفة الطاقة والنقل والتأمين، وتعطيل بعض مسارات النقل والتوريد، وإعادة تسعير المخاطر في الأسواق العالمية. ومن هنا، لم تعد الجغرافيا السياسية عنصرًا هامشيًا في فهم الاقتصاد الدولي، بل أصبحت جزءًا من طريقة تحليله اليومية.

وتكشف المؤشرات الدولية الحديثة حجم هذا التشابك. فقد بلغ الدين العالمي مستوى قياسيًا قدره 348 تريليون دولار بنهاية عام 2025، بما يعادل نحو 308% من الناتج العالمي، بعد زيادة سنوية قاربت 29 تريليون دولار، وفق بيانات معهد التمويل الدولي. وفي موازاة ذلك، بلغ حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات نحو 33 تريليون دولار في عام 2024، بزيادة تقارب تريليون دولار عن العام السابق، بحسب تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). وهذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع الاقتصاد العالمي، بل تشير أيضًا إلى ارتفاع درجة تعرضه للصدمات؛ إذ لم تعد الاضطرابات الجيوسياسية تصيب قطاعًا منفصلًا، بقدر ما تضغط على شبكة مالية وتجارية وإنتاجية شديدة التداخل.

لقد قامت العولمة، في أحد وعودها الكبرى، على افتراض أن تشابك المصالح الاقتصادية يجعل الحرب أكثر كلفة وأقل احتمالًا. غير أن العقد الأخير كشف حدود هذه الفرضية بوضوح. فالأسواق لم تُلغِ اعتبارات القوة، بل أعادت إدخالها إلى صميم الاقتصاد الدولي. وما يتغير اليوم ليس اختفاء العولمة، بل تحوّلها العميق: من عولمة تقودها كفاءة السوق واتساع المبادلات، إلى عولمة تتقدم فيها اعتبارات الأمن والنفوذ والسيطرة على التكنولوجيا والطاقة وسلاسل التوريد.

ومن هنا يبدو العالم وكأنه ينتقل من عولمة الأسواق إلى عولمة التنافس على مفاصل الاقتصاد نفسه. فلم تعد الطاقة والتكنولوجيا والتمويل ملفات اقتصادية صرفة، بل تحولت إلى أدوات نفوذ وعناصر ترتبط مباشرة بالأمن القومي والقدرة على إعادة رسم التوازنات الدولية. لذلك لم تعد القرارات الاستثمارية تُبنى على الكلفة والعائد فقط، بل أصبحت تتأثر أيضًا بالمخاطر الاستراتيجية، واحتمالات تعطل سلاسل التوريد، وإمكان تقييد الوصول إلى التقنيات والمعرفة.

ولا يمكن فهم هذا التحول من دون التوقف عند الصين، لا بوصفها مجرد ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بل باعتبارها عقدة مركزية في التصنيع العالمي والتجارة الدولية وسلاسل القيمة. فقد بلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 18.74 تريليون دولار في عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي، بما يضعها في قلب التنافس على مفاصل المستقبل الصناعي والرقمي. وهنا يتجاوز التنافس بينها وبين الولايات المتحدة حدود الرسوم الجمركية أو اختلال الميزان التجاري، ليتحول إلى صراع على الرقائق، والمعرفة المتقدمة، والبنية التحتية الذكية، والقدرة على إعادة توجيه سلاسل التوريد. وبذلك لم يعد النزاع بين القوتين خلافًا على حصص السوق فحسب، بل تنافسًا على هندسة الاقتصاد العالمي نفسه.

ولا يتوقف هذا التحول عند التجارة أو التكنولوجيا، بل يطال أيضًا البنية النقدية التي قام عليها الاقتصاد العالمي منذ عقود. فالدولار، رغم احتفاظه بموقعه المهيمن في النظام المالي الدولي، لم يعد بمنأى عن ضغوط التحول الجيوسياسي وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي. وهو لم يعد مجرد عملة احتياط عالمية، بل أداة نفوذ مالي تُستخدم في إعادة تسعير المخاطر، وفرض العقوبات، وتوجيه حركة الرساميل عبر العالم. صحيح أن العملة الأميركية لا تزال تحتفظ بموقعها المركزي، لكن هذا الموقع لم يعد يتحرك في بيئة دولية ساكنة، بل في سياق يتزايد فيه السعي إلى تقليص الارتهان له عبر ترتيبات مالية وتجارية بديلة.

وإذا كان النظام النقدي أحد أعمدة الاقتصاد الدولي، فإن الطاقة تبقى العمود الأكثر حساسية عند اشتداد الأزمات. وهنا يظل الشرق الأوسط في قلب المعادلة العالمية، ليس فقط بسبب احتياطاته الضخمة من النفط والغاز، بل أيضًا بسبب موقعه في شبكة الممرات البحرية التي تصل بين مناطق الإنتاج والأسواق الكبرى. ويكفي أن تتعرض مضائق حيوية أو خطوط الإمداد الإقليمية لاضطراب واسع حتى ترتفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين، بما قد يعزز الضغوط التضخمية ويضعف وتيرة النمو في عدد كبير من الاقتصادات.

وفي هذا السياق، تكتسب إيران أهمية خاصة في الجغرافيا الطاقوية للمنطقة، بحكم موقعها المحوري على مضيق هرمز ودورها في أسواق الطاقة. لذلك فإن أي تصعيد واسع في هذه المنطقة لا يبقى حدثًا إقليميًا محدودًا، بل قد يتحول سريعًا إلى عامل ضغط على النفط والغاز وكلفة النقل البحري والتأمين، بما يرفع احتمالات اتساع الضغوط التضخمية عالميًا.

كما أن انعكاسات هذه التوترات لا تقتصر على الأسواق العالمية وحدها، بل تمتد أيضًا إلى اقتصادات الخليج العربي نفسها. فصحيح أن ارتفاع أسعار النفط قد يمنح بعض الدول الخليجية مكاسب مالية ظرفية على المدى القصير، إلا أن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي يفرض في المقابل ضغوطًا على التجارة والاستثمار والممرات البحرية، وقد يبطئ بعض مسارات التنويع الاقتصادي التي تقوم في جوهرها على الاستقرار والانفتاح وجذب الرساميل. وبذلك تصبح المكاسب السعرية الآنية أقل دلالة إذا قابلتها زيادة في علاوات المخاطر وتراجع في اليقين الاستثماري.

وفي مقابل قدرة بعض الاقتصادات الكبرى أو الغنية بالموارد على امتصاص جزء من هذه الصدمات، تبقى الاقتصادات الصغيرة والهشة أكثر عرضة للاهتزاز. فالحروب لا تضرب الدول جميعًا بالدرجة نفسها، بل تكون آثارها أشد قسوة على البلدان التي تعاني أصلًا اختلالات مالية أو نقدية أو إنتاجية، لأنها أقل قدرة على التكيف مع ارتفاع الأسعار، وتعطل الإمدادات، وانكماش الاستثمارات. وهنا لا تكمن المشكلة فقط في حجم الصدمة، بل في قدرة الاقتصاد نفسه على احتمالها.

ومن هنا تبدو الحالة اللبنانية شديدة الدلالة. فمنذ عام 2019، دخل لبنان في واحدة من أعمق الأزمات الاقتصادية في العالم في فترات السلم، مع انكماش تراكمي تجاوز 38% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2024. كما أشارت تقديرات لاحقة للبنك الدولي في ربيع 2025 إلى أن التراجع اقترب من 40%. وهذا لا يعني مجرد تراجع رقمي في الناتج، بل يشير إلى تآكل واسع في القدرة الشرائية، والاستثمار، وفرص العمل، والإيرادات العامة، في اقتصاد يعاني أصلًا اعتمادًا مرتفعًا على الاستيراد وضعفًا شديدًا في الهوامش الوقائية. لذلك لا يستقبل لبنان الاضطراب الخارجي كعامل ضغط عابر، بل كصدمة ترجّح انتقال الضغوط بسرعة إلى الأسعار والاستقرار النقدي والقدرة الاجتماعية على الاحتمال، فضلًا عن انعكاساتها على التجارة والسياحة وتحويلات المغتربين.

غير أن التحولات الجارية لا تقتصر على الجغرافيا السياسية التقليدية أو على الطاقة وحدها. فالتنافس الدولي بات يدور أيضًا في الفضاء الرقمي، حيث أصبحت البيانات، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية التكنولوجية، عناصر متقدمة في تشكيل القوة الاقتصادية. ولم تعد التكنولوجيا مجرد قطاع واعد، بل أصبحت على نحو متزايد ساحة تنافس على النفوذ وأداة من أدوات الحماية وإعادة رسم موازين القوة.

ولهذا لم يعد مستغربًا الحديث عن تداخل متزايد بين التكنولوجيا والجغرافيا السياسية؛ إذ لم تعد التكنولوجيا نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل غدت مكوّنًا أساسيًا من مكونات القوة الاستراتيجية. ففي هذا السياق، تصبح السيطرة على المعرفة المتقدمة، وتطوير الرقائق والأنظمة الذكية، وحماية الشبكات والبنى الرقمية، عناصر نفوذ لا تقل أهمية عن الطاقة أو التجارة أو المال في رسم موازين القوة الدولية الجديدة.

إن العالم لا يغادر العولمة تمامًا، لكنه يغادر يقينها القديم. فاقتصاد اليوم لم يعد يُقرأ بأدوات العرض والطلب وحدها، لأن خرائطه لم تعد تُرسم في الأسواق فقط، بل أيضًا في المضائق البحرية، ومراكز القرار العسكري، ومختبرات الرقائق، وشبكات البيانات. وما تكشفه الحروب في هذه المرحلة ليس هشاشة السلام فحسب، بل هشاشة الفكرة التي افترضت أن السوق وحده قادر على ضبط العالم. لقد عادت اعتبارات القوة إلى موقع مؤثر في الاقتصاد الدولي، لا بوصفها عاملًا عابرًا، بل بوصفها جزءًا من البيئة التي يُعاد ضمنها تشكيل القرارات الاقتصادية العالمية. ومن لا يقرأ الاقتصاد بهذه العين الجديدة، لن يفهم العالم كما يتشكل الآن، بل كما كان يُظن أنه سيتشكل بالأمس.