اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أثار إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن فرض حصار بحري على مضيق هرمز تساؤلات واسعة حول واقعية هذا التهديد،حيث اعتبر خبراء عسكريون أن تنفيذه يهدد بمخاطر كبيرة.

وتؤكد تقارير نشرتها وسائل إعلام أميركية، وبالتحديد "وول ستريت جورنال" و"بلومبيرغ " و"نيوزويك" أن إيران طورت عقيدة بحرية تعتمد على حروب الاستنزاف والمعارك غير المتكافئة، مما يجعل السيطرة الكاملة على المضيق عبر القوة التقليدية عملية معقدة جداً.

ويلفت موقع بلومبيرغ إلى أن الولايات المتحدة و"إسرائيل" لم تستطيعا تأمين المضيق أثناء الحرب وقبل إعلان وقف إطلاق النار.

وأوضح الموقع أن إيران استطاعت فرض قيود مشددة على المرور، وأن المرور عبر مضيق هرمز لم يتوقف بالكامل أثناء الحرب، لكنه تراجع بشكل حاد.

وكان يعبر المضيق 135 سفينة يومياً قبل الحرب، وانخفض العدد إلى أقل من 10 في معظم أيام الصراع، مع عزوف واسع لشركات الشحن بسبب المخاطر الأمنية، بحسب الموقع.

غير أن مرور السفن استمر ضمن 4 فئات: أولاً، واصلت طهران تصدير نحو 1.7 مليون برميل يومياً من النفط الإيراني، معظمها إلى الصين.

كما تمكنت بعض الدول من المرور عبر ترتيبات خاصة مع طهران، مثل باكستان والهند، فيما حصل العراق على استثناء بصفته "دولة صديقة"، بحسب الموقع.

إضافة إلى ذلك، نجحت بعض السفن اليونانية الالتفاف على القوات في المضيق عبر إطفاء أجهزة التتبع الخاصة بها لتجنب أن يتم رصدها.

وفي المجمل، يكشف التقرير أن المرور لم يتوقف أثناء الحرب بل كان انتقائياً ومحدوداً، مما يعكس قدرة إيران على التحكم بحركة السفن دون إغلاق كامل، ويبرز صعوبة فرض حصار شامل دون تصعيد أكبر.

وتسلط مجلة نيوزويك، وصحيفة وول ستريت جورنال، الضوء على المصاعب التي قد تواجهها واشنطن في 5 محاور رئيسية.


1- الطبيعة الإستراتيجية لطهران

أكدت واشنطن أنها دمرت الأسطول البحري التقليدي لإيران، ولكن نيوزويك لفتت إلى أن طهران لا تعتمد أساساً على السفن الكبيرة وحدها في المضيق.

وبدلاً من ذلك، وفقاً للتقرير، ترتكز الدفاعات الإيرانية على قوات الحرس الثوري التي تستخدم زوارق سريعة صغيرة يصعب رصدها، وقادرة على تنفيذ هجمات مباغتة ضد السفن التجارية والعسكرية.

وقال فرزين نديمي، الباحث البارز المتخصص في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لصحيفة وول ستريت جورنال، إن أكثر من 60% من هذه الزوارق لا تزال سليمة رغم أسابيع من الضربات الأميركية، مؤكداً أن هذه الزوارق لا تزال تشكل تهديداً خطيراً للملاحة البحرية.


2- الجغرافيا تمنح إيران أفضلية واضحة

كشفت نيوزويك إن مضيق هرمز لا يتجاوز عرضه نحو 20 ميلاً في أضيق نقاطه، مما يسمح للقوات الإيرانية بالاختباء على طول السواحل أو بين القوارب المدنية.

كما تستطيع القوات الإيرانية استهداف السفن من البر باستخدام صواريخ مضادة للسفن تُطلق من منصات متنقلة، دون الحاجة إلى الانخراط المباشر في مواجهة بحرية مفتوحة.

وبالتالي، وحتى مع التفوق البحري الأميركي، تؤكد وول ستريت جورنال أن هذه البيئة تقلص زمن الاستجابة المتاح أمام القوات الأميركية أمام أي هجوم إيراني، وتجعل أي خطأ مكلفا، خصوصاً مع إمكانية إطلاق هجمات من البر أو من جزر قريبة.


3- تحدي الألغام البحرية

أشارت نيوزويك إلى أن إيران تمتلك آلاف الألغام التي يمكن زرعها بسرعة وبطرق يصعب اكتشافها.

وحتى مجرد التهديد بوجود ألغام قد يكون كافيا لوقف حركة الملاحة، إذ إن عمليات إزالة الألغام بطيئة وخطيرة، ويمكن لإيران إعادة زرعها بوتيرة أسرع من إزالتها.


4- استخدام الطائرات والزوارق المسيّرة

وقد طورت إيران قدرات على استخدام مسيّرات بحرية مفخخة لضرب الناقلات أو الموانئ عن بُعد، وهو ما يقلل من الحاجة إلى الاحتكاك المباشر مع القوات الأميركية، ويزيد من صعوبة تأمين الممرات البحرية بشكل كامل، بحسب المجلة الأميركية.

الأهم من ذلك، تؤكد وول ستريت جورنال أن نجاح إيران لا يتطلب هزيمة البحرية الأميركية عسكرياً، ويكفي إيران جعل الملاحة غير آمنة بما يدفع شركات الشحن وشركات التأمين إلى تعليق عملياتها، فالحصار قد لا يحتاج إيقاف كل السفن، فقط إخافة السوق.

وهذا يعني أن الحصار، حتى لو فُرض نظرياً، قد يفشل عمليا في تحقيق هدفه الأساسي، وهو ضمان تدفق التجارة.


5- تردد الحلفاء ونقص الدعم الدولي

كما يلفت تقرير وول ستريت جورنال إلى أن الحصار يتطلب تحالفا دولياً، وليس جهداً أميركياً منفرداً، ورغم حديث ترامب عن مشاركة دول عديدة، فإن شكل هذا التحالف لا يزال غير واضح.

كما أن بعض الدول طبقا للصحيفة تربط مشاركتها بوجود وقف إطلاق نار دائم أو غطاء تنظيمي دولي، مما يزيد من تعقيد التنفيذ السياسي للعملية.


ويحذر التقرير في هذا السياق من أن الحصار الآن ينقل الصراع من ضربات عسكرية محدودة إلى حرب استنزاف مفتوحة، تختبر قدرة كل طرف على تحمل الكلفة.

ويشير إلى أن الأمر لم يعد يتعلق فقط بمواجهة بين واشنطن وطهران، بل أيضاً بمدى قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام اضطراب طويل في إمدادات الطاقة، سيختبر من يتحمل الألم أكثر: إيران أم الاقتصاد العالمي، وفق تعبير التقرير.


الكلفة الاقتصادية للحصار

ولفتت التقارير إلى الكلفة الاقتصادية للحصار، إذ إن تعطيل الملاحة في مضيق هرمز بدأ بالفعل في إحداث صدمات في الأسواق، مع تراجع الإنتاج الصناعي في آسيا ونقص الوقود في بعض المطارات.

كما تشير التقديرات إلى انكماش اقتصادي حاد في دول الخليج، مما يشير إلى أن كلفة الحصار لا تقتصر على إيران بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره.

وتخلص التقارير إلى أن إيران لا تحتاج إلى كسر الحصار الأميركي عسكرياً أو بشكل كامل، بل يكفيها إطالة أمد الأزمة ورفع كلفتها.

وما زالت طهران قادرة على تصدير جزء من نفطها، وتملك أدوات ضغط إضافية، مثل تهديد خطوط أنابيب بديلة أو توسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية أخرى.

وفي المحصلة، تؤكد التقارير أن تهديد ترامب، رغم قوته الظاهرية، يفتح الباب أمام صراع طويل ومعقد، حيث يصبح النجاح مرهوناً ليس فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تحمل تبعات اقتصادية وإستراتيجية قد تكون أشد وطأة من الهدف المعلن للحصار.