اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب
مع تزايد حدّة الخطاب السياسي والإنقسام العامودي الخطير بين اللبنانيين، يحذّر الوزير السابق وديع الخازن، مما يشهده لبنان اليوم، من انقسام عمودي عميق "يهدّد البنية الوطنية في جوهرها، فحين يتغذّى هذا النوع من الإنقسامات من الخطاب التحريضي والتوترات الإقليمية، يتحوّل إلى عنصر تفكيك داخلي خطير، ما ينعكس شللاً في المؤسّسات واهتزازاً في ثقة المواطن بالدولة". والأخطر، كما يقول الخازن في حديث لـ "الديار"، إن "هذا الإنقسام يُستثمر أحياناً من قبل أطراف خارجية تسعى إلى إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، لذلك، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع القيادات، الإرتقاء فوق الحسابات الضيقة، والعودة إلى منطق الدولة التي تحمي الجميع، فلبنان لا يُحكم بمنطق الغَلَبة، بل بالتوازن الدقيق الذي يحفظ الشراكة، ويصون صيغة العيش المشترك التي تُعدّ حجر الأساس في استقراره".

وعن المساعي الحاصلة بين الرئاستين الأولى والثانية، يرى الوزير الخازن، أن "أي تقارب أو تواصل إيجابي بين الرئاستين الأولى والثانية يُعتبر خطوة في الإتجاه الصحيح، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل، فالتجربة اللبنانية أثبتت أن انتظام عمل المؤسسات يبدأ من تفاهم الرئاسات، لأن الخلاف بينها ينعكس مباشرة على مجمل الحياة السياسية والإدارية، وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الدور الوطني الذي اضطلع به الرئيس نبيه بري على مدى سنوات، حيث شكّل صمّام أمان في الحفاظ على الوحدة الوطنية وصون مبدأ المناصفة، وسعى باستمرار إلى مدّ جسور الحوار بين مختلف المكوّنات اللبنانية، فالمطلوب اليوم ليس مُجرّد لقاءات شكلية، بل حوار صريح ومسؤول يُفضي إلى تفاهمات عملية تعيد تفعيل عمل الدولة، لأننا بحاجة إلى مقاربة هادئة تُراعي الدستور وتُحصّن المؤسسات".

وعما أعلنه السفير الأميركي من بكركي أن الرئيس عون سيذهب إلى واشنطن للقاء ترامب، يشير الوزير الخازن، إلى أن "لبنان دولة ذات سيادة، وموقفه من أي علاقات أو لقاءات يخضع للدستور، ولما تقتضيه مصلحته العليا، وأي طرح يتجاوز هذه الثوابت، خصوصاً في ما يعني العلاقة مع العدو الإسرائيلي، هو طرح مرفوض جملة وتفصيلاً، لأنه يتعارض مع وجدان اللبنانيين ومع تاريخهم وتضحياتهم، إذ أن لبنان لم يكن يوماً في موقع المساومة على أرضه أو على حقوقه، ولن يكون، أما فيما يخص الزيارات الخارجية، فهي بطبيعة الحال جزء من العمل الديبلوماسي الطبيعي، لكن يجب أن تكون دائماً منسجمة مع الموقف الوطني الجامع، لا أن تتحول إلى مصدر انقسام داخلي".

من هنا، يؤكد الخازن، أن "مواجهة الأطماع الإسرائيلية واستعادة الحقوق لا تكون إلاّ من خلال تعزيز وحدتنا الداخلية وتماسك جبهتنا الوطنية، بما يمكّن الدولة من القيام بكامل مسؤولياتها السيادية، وعلى المجتمع الدولي أن يدرك بوضوح أن خيار اللبنانيين ليس الخضوع أو التنازل، بل التمسك بحقوقهم حتى تحقيقها، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية".

وعن الإعتداءات على الكنائس، ومخاوف من فتنة مقبلة، دان الخازن هذه الإعتداءات، معتبراً أنها "ليست حوادث معزولة أو عفوية، بل تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة على محاولة زرع الفتنة وضرب العيش المشترك، لأن استهداف دور العبادة، أياً تكن، هو استهداف مباشر لرسالة لبنان القائمة على التعددية والإحترام المتبادل، والتعامل مع هذه الأحداث يجب أن يكون على أعلى درجات الجدية، سواء من قبل الأجهزة الأمنية التي يقع على عاتقها كشف الفاعلين ومحاسبتهم، أو من قبل المرجعيات السياسية والدينية والمؤسسات الإعلامية التي يجب أن توحّد خطابها في رفض أي مساس بالوحدة الوطنية، ولبنان، عبر تاريخه، أثبت أنه أقوى من محاولات الفتنة، وأن نسيجه الإجتماعي قادر على تجاوز الأزمات، فالمطلوب اليوم هو التحصين الداخلي، ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية، بل أيضاً من خلال خطاب وطني جامع يرفض التحريض ويُعلي من شأن القيم المشتركة، وأي تساهل مع هذه الإعتداءات يفتح الباب أمام مزيد من الإنزلاق، وهذا ما لا يمكن القبول به تحت أي ظرف".