اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

لم يكن طلب فرنسا عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بسبب التصعيد "الإسرائيلي" الأخير في لبنان، مجرد خطوة ديبلوماسية مرتبطة بالأحداث الميدانية. فبالتوازي مع السعي إلى احتواء التوتّر، برزت مؤشرات متزايدة إلى أنّ باريس والأمم المتحدة ، بدأتا البحث جديّاً في مستقبل الوجود الدولي جنوباً بعد انتهاء ولاية "اليونيفيل"، وإذا كان يمكن استبدالها بصيغة أممية جديدة أصغر حجماً وأكثر تخصّصاً، أو الإبقاء على قسم منها. 

 ويكتسب هذا النقاش أهمية إستثنائية في ظل اقتراب موعد انتهاء ولاية "اليونيفيل" أواخر العام الحالي، وفي وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مستقبلها، والتي أصبحت بعد حرب تموز 2006 إحدى الركائز الأساسية، لتنفيذ القرار 1701 ومراقبة وقف الأعمال العدائية بين لبنان و"إسرائيل".

تقول مصادر سياسية وديبلوماسية مطلعة، بأنّ البحث في وجود أممي على الحدود اللبنانية الجنوبية قد دخل مرحلة الجدّ. ففي تطوّر لافت، كشف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تقريره، الذي أعدّه أخيراً وتمّ توزيعه على أعضاء مجلس الامن خلال الجلسة الطارئة، أنّه يدرس خيارات عدّة بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". وإذ أشار إلى أنّ الحدود تبقى همّاً أممياً ، وتحتاج إلى اعادة التحديد وانهاء نقاط الخلاف، عرض ثلاثة نماذج مختلفة تتراوح بين قوة محدودة الحجم الى متوسطة (ما بين 1500 إلى 4000)، او الإبقاء على قوّة ضخمة تتألّف من 5500 جندي). وأوضح أنّ أي صيغة جديدة يجب أن تواصل مراقبة الخط الأزرق، ودعم الجيش اللبناني، والمساهمة في منع اندلاع مواجهة جديدة بين لبنان و"إسرائيل"، والحفاظ على آلية الإتصال بينهما.

ويبدو أنّ جوهر التفكير الأممي، وفق المصادر، يقوم على قناعة متزايدة بأنّ الانسحاب الكامل لليونيفيل، قد يفتح الباب أمام فراغ أمني وسياسي يصعب احتواؤه، في حال لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق نهائي شامل على وقف النار بين الجانبين.

في المقابل، تبدو فرنسا الأكثر انخراطاً في رسم معالم هذه المرحلة الجديدة، لا سيما مع محاولة "إسرائيل" تحييدها بدءاً من تهميش دورها في لجنة "الميكانيزم"، وصولاً إلى التحفّظات الواضحة على بقائها في أي قوّة بديلة، ترفض ان تكون أممية إنما بإشراف أميركي، للتفرّد بالوضع العسكري الحدودي. 

وترى المصادر ان الخشية لدى لبنان، من وضع اليد على هذه المنطقة عسكرياً، كونه أمرا سيئا حتى ولو بقيت لبنانية. في الوقت الذي يطالب فيه بتعزيز قدرات الجيش ليتمكّن من الانتشار على كامل المنطقة الجنوبية.

 وتلفت المصادر المطلعة إلى أنّ فرنسا تقود منذ أشهر مشاورات داخل الأمم المتحدة ومع عدد من الدول المعنية، لدراسة السيناريوهات الممكنة بعد انتهاء مهام اليونيفيل. كما أكّد مسؤولون فرنسيون أنّ التحضير للمستقبل، يجب أن يتمّ بالتنسيق مع السلطات اللبنانية والشركاء الدوليين.

ومن هنا، تكتسب الجلسة الطارئة التي انعقدت في مجلس الأمن الإثنين الفائت، بُعداً يتجاوز معالجة التصعيد الراهن. فباريس تسعى إلى إقناع أعضاء المجلس بأنّ الأحداث الأخيرة تثبت الحاجة إلى الإبقاء على آلية دولية للمراقبة والاستقرار، لا الى إنهاء وجودها.

وبرزت خلال الأسابيع الماضية تسريبات عن احتمال استبدال "اليونيفيل" بقوة أصغر حجماً، تضمّ مئات المراقبين العسكريين، وضبّاط الارتباط والخبراء الدوليين. ورغم عدم وجود مشروع قرار رسمي يتبنّى هذا الطرح حتى الآن، تؤكّد المصادر أنّ أي قوة أجنبية جديدة، سواء كانت أممية أو متعددة الجنسيات، أو ذات مشاركة أميركية وأوروبية واسعة، تحتاج إلى قرار صريح من مجلس الأمن ، يُحدّد ولايتها ومهماتها وقواعد عملها وتمويلها. وهذا يعني عملياً أنّ أي مشروع يحتاج إلى حدّ أدنى من التوافق بين القوى الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة وروسيا والصين.

غير أنّ الطريق لا يبدو معبّداً، فالعقدة الأساسية اليوم تتمثّل في الموقف "الإسرائيلي" الرافض لأي وجود أممي يشبه "اليونيفيل"، والذي يحظى بدعم أميركي متزايد. وستكشف الأيام المقبلة إذا كانت الجلسة الأخيرة تُشكّل بالفعل الخطوة الأولى نحو ولادة بعثة أممية جديدة، لكن مع المهمة نفسها، ما يعني إعادة رسم لتوازنات النفوذ على الحدود الجنوبية، ومَن ستكون له الكلمة الراجحة: الأمم المتحدة، أم الولايات المتحدة، أم مزيج من القوى الغربية، أم الجيش اللبناني وحده؟!