اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

أكد المفاوض الأميركي السابق روبرت مالي أن المحادثات الجارية بشأن البرنامج النووي الإيراني أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدًا مقارنة بالمفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015.

وأشار إلى أن التحديات الحالية لا تقتصر على الجوانب التقنية للبرنامج النووي، بل تشمل أزمة ثقة عميقة بين طهران وواشنطن، فضلًا عن حالة الغموض التي تحيط بسياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب "لوفيغارو".

وكان مالي، الذي أدى دورًا محوريًّا ضمن فريق إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما خلال المفاوضات التي أفضت إلى توقيع الاتفاق النووي عام 2015، اعتبر أن انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق عام 2018 بات يبدو اليوم "خطأً استراتيجيًّا أكبر مما كان يُعتقد آنذاك".


مفاوضات أكثر تعقيدًا

وأوضح مالي أن الظروف الحالية تختلف عن تلك التي أحاطت بمفاوضات عام 2015، لافتًا إلى أن البرنامج النووي الإيراني تعرَّض لأضرار كبيرة نتيجة الهجمات الأميركية والإسرائيلية الأخيرة؛ ما جعل فكرة تعليق تخصيب اليورانيوم لبضع سنوات أكثر واقعية من السابق

وأشار إلى أن إيران لم تعد تقوم حاليًّا بعمليات تخصيب اليورانيوم، كما أن إعادة بناء قدراتها النووية ستتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين، فضلًا عن أن أيّ محاولة لإعادة تشغيل البرنامج ستبقى معرضة لخطر هجمات أمريكية أو إسرائيلية جديدة.

ورغم أن هذه التطورات جعلت بعض الجوانب التقنية للمفاوضات أكثر بساطة، فإن مالي يرى أن المشهد السياسي أصبح أكثر تعقيدًا بسبب بروز عقبات جديدة، أبرزها انعدام الثقة الكامل بين القيادة الإيرانية والإدارة الأميركية.


أزمة ثقة متفاقمة بين واشنطن وطهران

بحسب مالي، فإن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة تعاني أزمةَ ثقةٍ مزمنةً منذ عام 1979، إلا أن التطورات الأخيرة عمّقت هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة.

وأوضح أن القادة الإيرانيين لم يعودوا يشككون فقط في نوايا واشنطن، بل باتوا يتساءلون عمَّ إذا كانت التصريحات الصادرة عن مبعوثي الرئيس ترامب تعكس بالفعل مواقفه الحقيقية، أو ما إذا كانت هذه المواقف ستبقى ثابتة لأكثر من أيام أو أسابيع؟.

ويرى مالي أن انسحاب ترامب من اتفاق 2015، ثم إصدار أوامر بتنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران خلال المفاوضات التي جرت في عامي 2025 و2026، أسهَما في زيادة الشكوك الإيرانية وجعَلا الوصول إلى تفاهمات، أكثرَ صعوبة من أي وقت مضى.


شخصية ترامب تزيد تعقيد المشهد

وحمّل مالي شخصية الرئيس الأميركي جانبًا كبيرًا من تعقيدات العملية التفاوضية، معتبرًا أن الغموض الذي يحيط بأهداف ترامب وإستراتيجيته يجعل من الصعب على المفاوضين، سواء أكان الأميركيين أم الإيرانيبن، فهم المسار الحقيقي للمحادثات.

وأشار إلى أن التصريحات المتناقضة والمتغيرة الصادرة عن ترامب تثير حالة من الارتباك بشأن ما إذا كان يسعى إلى اتفاق سياسي، أم إلى تصعيد عسكري جديد، أم أنه يفتقر أساسًا إلى إستراتيجية واضحة.

وأضاف أن الخطابات التي تتضمن تهديدات مباشرة أو حديثًا عن تدمير إيران أو فرض اتفاقات مسبقة على طهران تجعل القيادة الإيرانية تبدو وكأنها تستسلم للضغوط، وهو أمر يصعب عليها قبوله سياسيًّا أمام الرأي العام الداخلي.

كما انتقد ما وصفه بـ"إستراتيجية الرجل المجنون"، معتبرًا أن التصريحات المتقلبة وغير المنسجمة مع الواقع تعرقل عمل المفاوضين وتزيد صعوبة تفسير المواقف الأميركية الحقيقية.

ورغم التعقيدات الحالية، فقد أكد مالي أن فرص التوصل إلى اتفاق بين الطرفين لا تزال قائمة؛ لأنَّ كلًّا من واشنطن وطهران بحاجة إلى مَخرَج من الأزمة.

وأوضح أن إيران تواجه أوضاعًا اقتصادية صعبة وتحتاج إلى تخفيف الضغوط والحصول على مكاسب اقتصادية، سواء عبر تخفيف العقوبات أو إيجاد مصادر دخل جديدة تساعدها على تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان.

وفي المقابل، أشار إلى أن الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار لفترة طويلة في إدارة أزمة مفتوحة في الخليج، خاصة في ظل تأثيرها المباشر في أسعار النفط والضغوط الاقتصادية الدولية.


انتقادات لنهج المفاوضين الأميركيين

وانتقد مالي اعتماد إدارة ترامب على شخصيات من خارج الدوائر المتخصصة لإدارة الملف النووي، مشيرًا إلى أن نجاح المفاوضات يتطلب وجود أشخاص قادرين على فهم الجوانب التقنية المعقدة للبرنامج النووي الإيراني والاستجابة السريعة للمقترحات المطروحة.

وأوضح أن فريق التفاوض الأميركي خلال محادثات عام 2015 كان يستند إلى خبراء نوويين قادرين على تقييم المقترحات الإيرانية فورًا واكتشاف مزاياها أو نقاط ضعفها، وهو ما ساعد على تحقيق تقدم ملموس آنذاك.

ترامب.. المتسبب في تعطيل المحادثات

وأضاف أن الإيرانيين يميلون عادة إلى التفاعل مع المبادرات الأميركية والرد عليها، مشيرًا إلى أن بعض المقترحات التي طُرحت خلال اجتماعات جنيف الأخيرة ربما كانت تتضمن فرصًا حقيقية للتقدم، إلا أن المفاوضين الأميركيين لم يتمكنوا من استيعابها بالشكل الكافي، وفق ما نقله الوسطاء العمانيون.

كما اعتبر أن أحد أبرز أوجه القصور في إدارة ترامب يتمثل في نفاد الصبر والرغبة في إنجاز اتفاقات خلال 24 أو 48 ساعة، مؤكدًا أن التوصل إلى تفاهمات معقدة بحجم الاتفاق النووي يحتاج إلى وقت طويل ومفاوضات تفصيلية لا يمكن اختصارها في أيام معدودة.

وفيما يتعلق بالوضع الداخلي الإيراني، أكد مالي أن الانقسامات داخل النظام الإيراني ليست أمرًا جديدًا، بل كانت موجودة دائمًا، إلا أنه يرى أن التناقضات والتقلبات التي شهدتها المفاوضات الأخيرة تعود بدرجة أكبر إلى الجانب الأميركي، وبالأخص إلى مواقف الرئيس ترامب، الذي اعتبر أنه أسهم في تعقيد المحادثات أكثر من أي عامل آخر.


الأكثر قراءة

معــارك «المعــادلات» بـين الكـسر والتثبــيت؟ لودريان على خط الوساطة... وعين التينة تنتظر «أجوبة»