تتزايد الدعوات داخل نيوزيلندا لإعادة تقييم استراتيجيتها الدفاعية التقليدية القائمة على البعد الجغرافي، في ظل تصاعد القدرات العسكرية الصينية واتساع نطاق عملياتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يدفع ويلينغتون إلى البحث عن شراكات دفاعية أعمق، وفي مقدمتها اليابان.
ويرى محللون أن التطورات العسكرية الأخيرة تشير إلى أن المسافة لم تعد توفر الحماية التي اعتمدت عليها نيوزيلندا لعقود، مع توسع النشاط العسكري الصيني واقتراب قدراته من جنوب المحيط الهادئ.
وتستند المخاوف إلى تقديرات تفيد بأن الصاروخ الباليستي الصيني "DF-27"، الذي يتراوح مداه بين خمسة وثمانية آلاف كيلومتر، قد يصبح قادراً مستقبلاً على الوصول إلى الأراضي النيوزيلندية مع استمرار تطويره.
كما عززت بكين هذه المخاوف بعد تنفيذ مجموعة بحرية صينية تدريبات بالذخيرة الحية في بحر تسمان العام الماضي دون إخطار مسبق، في خطوة اعتُبرت خروجًا عن الأعراف الإقليمية ورسالة تؤكد قدرة الصين على العمل في مناطق كانت تُعد بعيدة عن نطاق نفوذها العسكري.
وتزامنت هذه التحركات مع سلسلة من الحوادث الأمنية، من بينها اتهام الصين لطائرة مراقبة نيوزيلندية بممارسة "الاستطلاع والاستفزاز"، إضافة إلى اعتراضات جوية وبحرية استهدفت طائرات وسفنا يابانية وأسترالية في الأشهر الأخيرة، ما يعكس تصاعد التوتر في المنطقة.
ورداً على البيئة الأمنية المتغيرة، أقرت حكومة نيوزيلندا خطة لتطوير القدرات الدفاعية تمتد حتى عام 2029، تتضمن استثمارات بقيمة 12 مليار دولار نيوزيلندي، منها 9 مليارات دولار تمويل جديد، مع هدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى أكثر من 2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات الثماني المقبلة.
وتشمل الخطة تحديث الأسطول البحري، واقتناء فرقاطات جديدة وطائرات مسيّرة بحرية، إلى جانب تعزيز قدرات المراقبة والاستطلاع، بما يهدف إلى رفع جاهزية القوات المسلحة.
إلا أن خبراء يرون أن الجدول الزمني الطويل لتنفيذ هذه الخطط قد لا يتناسب مع سرعة التغيرات الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأثارت وتيرة الإنفاق الدفاعي النيوزيلندي انتقادات من الولايات المتحدة، حيث دعا مسؤولون أميركيون ويلينغتون إلى رفع مخصصاتها الدفاعية بوتيرة أسرع، معتبرين أن الوصول إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي لا يكفي لمواكبة التحديات الإقليمية.
في المقابل، تؤكد الحكومة النيوزيلندية أن تعزيز الإنفاق العسكري يجب أن يتم وفق الإمكانات المالية للدولة، مع الحفاظ على التوازن بين الاحتياجات الدفاعية والأولويات الاقتصادية.
ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه اليابان وأستراليا زيادة إنفاقهما العسكري، إذ تتجه طوكيو إلى مضاعفة ميزانيتها الدفاعية، بينما تجاوزت كانبرا بالفعل مستوى 2% من الناتج المحلي الإجمالي وتخطط لزيادته خلال السنوات المقبلة.
وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز اليابان باعتبارها شريكًا دفاعيًا متزايد الأهمية بالنسبة لنيوزيلندا.
وشهد مؤتمر "حوار شانغريلا" الأمني أول اجتماع ثلاثي لوزراء دفاع اليابان وأستراليا ونيوزيلندا، في خطوة عكست تنامي التنسيق بين الدول الثلاث لدعم أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى مختصون أن اليابان تمتلك خبرة واسعة في التعامل مع التحديات الأمنية التي تواجهها المنطقة، سواء فيما يتعلق بالتهديدات الصاروخية الكورية الشمالية أو النشاط العسكري الصيني حول بحر الصين الشرقي ومحيط تايوان.
وتبرز الشراكة مع اليابان بشكل خاص في برنامج نيوزيلندا المرتقب لاستبدال فرقاطاتها الحالية من فئة "أنزاك".
وتُعد الفرقاطة اليابانية "موغامي" من أبرز الخيارات المطروحة، خاصة بعد اختيار أستراليا هذا الطراز لتحديث أسطولها البحري، إلى جانب منافسة من الفرقاطة البريطانية "تايب 31".
ولا يقتصر القرار على اختيار منصة بحرية جديدة، بل يمتد إلى تحديد الشريك الذي ستعتمد عليه نيوزيلندا في التدريب والدعم الفني وتحديث الأنظمة والصيانة خلال العقود المقبلة.
ويرى محللون أن اعتماد الفرقاطات اليابانية قد يدمج نيوزيلندا في شبكة لوجستية وصناعية مشتركة مع أستراليا واليابان، وهو ما يعزز قابلية التشغيل المشترك بين الحلفاء في حال وقوع أزمات إقليمية.
ويرى خبراء أن التعاون مع اليابان لا يعني تخلي نيوزيلندا عن استقلالية سياستها الخارجية، بل يمثل توسيعًا لشبكة شراكاتها الدفاعية إلى جانب أستراليا والولايات المتحدة.
ويخلص محللون إلى أن البيئة الأمنية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ تغيرت بصورة تجعل الاعتماد على البعد الجغرافي وحده خيارًا غير كافٍ، في وقت تتزايد فيه توقعات الحلفاء بأن تضطلع ويلينغتون بدور أكبر في تعزيز الأمن الإقليمي.
ويحذر هؤلاء من أن أي تباطؤ في تحديث القدرات الدفاعية قد ينعكس ليس فقط على جاهزية القوات المسلحة، وإنما أيضًا على مكانة نيوزيلندا ومصداقيتها داخل منظومة الشراكات الأمنية في المنطقة.
الكلمات الدالة
مواضيع ذات صلة
يتم قراءة الآن
-
تطبيق اتفاق الاطار «معلّق»... والكلمة الفصل لـ«البنتاغون» الثنائي جهّز عدة المواجهة... بعبدا واليرزة على «الموجة» ذاتها
-
هدوء ما بعد «عاصفة» المذكرة... الرهان على الوقت! بري يتحرّك عربياً لتطويق التفاهم... «اسرائيل»: لا انسحاب
-
تفجير الملحق السرّي للإتفاق
-
في زمن الإنقلابات السياسيّة... لماذا بقي أرسلان على موقفه؟
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
15:39
ترمب: كلنا نستفيد من ارتفاع أسواق المال وتراجع أسعار النفط وكذلك أسعار قطاع التجزئة
-
15:39
وجهنا ضربات قوية إلى إيران الأسبوع الماضي
-
15:38
ترمب: ماضون في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
-
15:38
ترمب: ماضون في مسار نزع السلاح النووي الإيراني
-
15:36
ترامب: عقدنا اجتماعا ممتازا مع الجانب الإيراني
-
15:16
عون: أنوه لموقف الرئيس بري في درء الفتنة وجميعنا متفقون على أن الفتنة والمساس بالجيش ممنوعان
