اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

عاد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة عقب انهيار مذكرة التفاهم الموقعة في حزيران الماضي، والتي هدفت إلى وقف العمليات العسكرية، وضمان استمرار حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتهيئة الظروف لإطلاق مفاوضات تمتد لمدة 60 يومًا.

ومع استئناف الضربات المتبادلة، برزت تساؤلات حول قدرة الاتفاقات المؤقتة على احتواء الأزمات المعقدة في الشرق الأوسط، ومدى الحاجة إلى إطار سياسي وأمني أكثر شمولاً واستدامة.

ويرى محللون أن تعثر الاتفاق لم يكن مفاجئاً، إذ اقتصر على تجميد المواجهة دون معالجة الملفات الأساسية التي تشكل جوهر الخلاف بين الجانبين، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والقدرات الصاروخية، والملفات الأمنية الإقليمية. 

وبحسب تقرير لمجلة "فورين بوليسي"، فإن أي وقف لإطلاق النار لا يترافق مع مسار تفاوضي شامل يبقى هشًا، وقد ينهار عند أول اختبار ميداني.


اتفاقات مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة

يشير التقرير إلى أن الاتفاقات المرحلية، مثل ترتيبات وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، قد تسهم في تهدئة الأوضاع مؤقتاً، لكنها لا تكفي لإنهاء النزاعات الممتدة. فهذه الصيغ تؤجل الخلافات بدلاً من حلها؛ ما يسمح للأطراف بإعادة ترتيب أوراقها استعداداً لجولات جديدة من المواجهة.

ويؤكد أن البيئة الأمنية في الشرق الأوسط تزيد من تعقيد هذه المعادلة، نظراً لتداخل ملفات الأمن الإقليمي وتشابك المصالح بين القوى المختلفة، وهو ما يجعل أي أزمة قابلة للامتداد إلى ساحات أخرى إذا غابت التسويات السياسية الشاملة.

ويستعرض التقرير ما يسميه "الدبلوماسية النفعية"، وهي نهج يقوم على تحقيق مكاسب سريعة من خلال صفقات محدودة، بدلاً من بناء ترتيبات مؤسسية طويلة الأمد. 

ويرى أن هذا الأسلوب عاد بقوة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بتراجع الثقة في الاتفاقيات الدولية الكبرى، وتصاعد المنافسة بين القوى العالمية، وتفضيل العديد من القادة تحقيق نتائج سياسية سريعة.

ويحذر من الخلط بين إدارة الأزمات وحلها، معتبراً أن الصفقات الجزئية قد تؤخر الانفجار لكنها لا تزيل أسبابه؛ ما يجعلها غير كافية إذا لم تكن جزءاً من عملية سياسية أوسع وأكثر استدامة.


دروس من التاريخ

لتعزيز هذه الرؤية، يقارن التقرير بين المشهد الدولي الحالي والأوضاع التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى، عندما أدى الاعتماد على التحالفات الهشة، والدبلوماسية الشخصية، وضعف التنسيق بين القوى الكبرى إلى تصاعد الأزمات وتحولها إلى حرب واسعة.

ويرى التقرير أن تراجع المؤسسات الدولية وتفضيل الحسابات الضيقة على العمل الجماعي أسهما آنذاك في انهيار نظام التوازن الأوروبي، وهو ما يقدم، من وجهة نظرهما، درساً مهماً بشأن مخاطر الاعتماد على تفاهمات مؤقتة في إدارة الأزمات الدولية.

ويذهب التقرير إلى أن النظام الدولي يشهد اليوم تحولات مشابهة، في ظل تراجع دور المؤسسات متعددة الأطراف، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتزايد اعتماد الدول على تفاهمات ثنائية أو محدودة النطاق لتحقيق مصالحها المباشرة.

وفي هذا السياق، يرى أن السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة عكست هذا التوجه، من خلال التعامل مع التحالفات والاتفاقيات بمنطق المرونة والنتائج السريعة؛ وهو ما انعكس على عدد من ملفات الشرق الأوسط، بما فيها سوريا وإيران.

ويحذر التقرير من أن انهيار التفاهم بين واشنطن وطهران يعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد، خصوصاً إذا اعتقد أي من الأطراف أن المسار التفاوضي وصل إلى طريق مسدود، أو إذا برزت مؤشرات على إعادة بناء القدرات العسكرية أو النووية الإيرانية.

كما يشير إلى أن استمرار المواجهة قد ينعكس على أمن الملاحة البحرية في الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من تداعيات على أسواق الطاقة والتجارة العالمية.


الحاجة إلى إطار إقليمي شامل

ويخلص التقرير إلى أن فرص تحقيق استقرار دائم تتطلب الانتقال من الاتفاقات الثنائية المحدودة إلى عملية إقليمية أوسع تشمل مختلف الأطراف المعنية. 

ويرى أن أي تسوية مستدامة ينبغي أن تتضمن ترتيبات قابلة للتحقق بشأن البرنامج النووي الإيراني، وآليات لضمان حرية الملاحة، إضافة إلى تفاهمات أمنية إقليمية تقلل احتمالات التصعيد وتفتح المجال لمعالجة القضايا الخلافية الأخرى.

كما يدعو إلى إنشاء منصة حوار أمني إقليمي تشارك فيها القوى الفاعلة في الشرق الأوسط، بدعم من المجتمع الدولي، بما يتيح معالجة الملفات الأمنية بصورة جماعية، ويحد من مخاطر الانزلاق إلى مواجهات جديدة.

ويختتم التقرير بالتأكيد على أن التوصل إلى اتفاق سياسي شامل قد يبدو أكثر صعوبة في ظل استمرار التوتر، إلا أنه يظل الخيار الأكثر قدرة على معالجة الأسباب العميقة للصراع، مقارنة بالاتفاقات المؤقتة التي أثبتت محدودية قدرتها على تحقيق الاستقرار طويل الأمد.


الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

قمــة ناجحة في البيت الابيض عون: هدفنا إنهاء الحرب وترسيخ الاستقرار ترامب: انت محترم وستحصل على ما تشاء