اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

مع تزايد المخاوف من تأثير منصات التواصل الاجتماعي على صحة الأطفال والمراهقين وسلامتهم الرقمية، تتجه دول أوروبية إلى فرض قواعد أكثر صرامة على استخدام هذه المنصات، عبر اعتماد قيود عمرية جديدة وتشديد آليات التحقق من أعمار المستخدمين.

وتأتي هذه الإجراءات في ظل تصاعد الانتقادات بشأن تعرض القاصرين لمحتويات ضارة، والتنمر الإلكتروني، ومخاطر الإدمان الرقمي، إلا أن خبراء يشككون في فعالية هذه القيود وحدها، محذرين من صعوبة تطبيقها عمليًا واحتمال لجوء المستخدمين إلى وسائل للتحايل عليها، إضافة إلى المخاوف المرتبطة بجمع البيانات الشخصية للتحقق من الأعمار.


قوانين أوروبية موجودة.. لكن التطبيق هو التحدي

ويرى مراقبون وفقا لموقع "euronews" أن النقاش الأوروبي يركز بدرجة كبيرة على تحديد عمر السماح باستخدام المنصات، بينما تتراجع إلى الخلف قضايا أكثر تعقيدًا، مثل آليات التنفيذ، وقدرة المستخدمين على تجاوز القيود، ومدى استعداد المؤسسات لمراقبة هذه الخدمات.

ويمتلك الاتحاد الأوروبي بالفعل منظومة تشريعية واسعة تهدف إلى حماية المستخدمين الصغار في الفضاء الرقمي، من بينها قانون الخدمات الرقمية (DSA) الذي يفرض على المنصات تقييم المخاطر المرتبطة بتصميم خدماتها، واللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) التي تنظم التعامل مع بيانات الأطفال.

كما تشمل المنظومة الأوروبية قوانين أخرى تتعلق بالذكاء الاصطناعي، وحماية المستهلك، والإعلانات الرقمية، وسلامة المنتجات، إضافة إلى إرشادات وبرامج لتعزيز الثقافة الرقمية.

لكن الجدل الحالي يتمحور حول إضافة قواعد جديدة، بدل التركيز على تحسين تنفيذ القوانين القائمة، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات للتحقق من العمر وطرح أفكار مثل فرض قيود على بعض خصائص تصميم المنصات، من بينها خاصية التمرير اللانهائي.


مشكلة التحايل تهدد فعالية القيود

تكشف تجارب دول مثل بريطانيا وأستراليا أن فرض قيود عمرية لا يعني بالضرورة نجاحها، إذ تمكن كثير من المراهقين من تجاوز هذه الإجراءات باستخدام تقنيات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، أو الانتقال إلى منصات أقل تنظيمًا.

كما واجه تطبيق أوروبي للتحقق من العمر انتقادات بعد تقارير أشارت إلى إمكانية التحايل على أنظمته المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خلال وقت قصير.


دور الأهل.. الحلقة الغائبة في المعادلة

ورغم تحميل المنصات الرقمية المسؤولية الأكبر عن حماية القُصّر، يرى خبراء أن دور الأسرة لا يمكن تجاهله، إذ إن الرقابة الأبوية والتوجيه المبكر يمثلان عنصرين أساسيين في التعامل مع مخاطر الإنترنت.

وتشير بيانات مشروع EU Kids Online إلى أن استخدام أدوات الرقابة الأبوية لا يزال محدودًا بين الأسر الأوروبية، إذ لم يتجاوز متوسط استخدامها نحو 22% وفق استطلاع أجري العام 2020.

وتفاوتت النسب بين الدول، حيث سجلت بعض الدول مثل فرنسا ومالطا مستويات مشاركة أعلى نسبيًا، بينما بقي استخدام هذه الأدوات منخفضًا في دول أخرى مثل ليتوانيا والتشيك.

ويرى خبراء أن المشكلة لا ترتبط فقط بغياب الأدوات، بل أيضًا بنقص المعرفة الرقمية لدى بعض الأهل، أو عدم امتلاكهم الوقت والمهارات الكافية لمتابعة استخدام أبنائهم للمنصات.

بين التنظيم والتوعية.. طريق طويل لحماية الأطفال

تدعو لجنة الخبراء الأوروبية إلى التركيز على التوعية الرقمية وتوفير أدوات مساعدة للأسر، مع الإبقاء على مسؤولية المنصات في مقدمة المشهد.

لكن خبراء يشيرون إلى أن تحقيق تغيير فعلي يحتاج إلى مزيج من القوانين الملزمة، وبرامج التثقيف الرقمي، وزيادة مشاركة الأهل، بدل الاعتماد الكامل على التشريعات الأوروبية أو إجراءات الشركات التقنية.

فمن دون تحديد مسؤوليات واضحة للأسر بشأن الاستخدام المفرط للشاشات، والتنمر الإلكتروني، والمخاطر الرقمية، قد تبقى جهود حماية الأطفال على الإنترنت ناقصة، رغم تعدد القوانين والمبادرات.