يجد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه عالقاً بصورة متزايدة في الحرب مع إيران، رغم امتلاك الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكبر في العالم، بعدما اصطدمت رهاناته على الحسم السريع بحدود القوة وصعوبة تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية واضحة.
وفي تحليل نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، يرى الكاتب المتخصص في شؤون الأمن القومي ديفيد إي. سانغر أن ترامب، الذي لطالما تباهى بعدم قدرته على التنبؤ وباستعداده لاتخاذ قرارات عسكرية لا يجرؤ عليها أسلافه، بات يواجه حرباً تستحوذ تدريجياً على رئاسته، من دون أن يتمكن حتى الآن من تحديد طريق واضح للخروج منها.
وكان الرئيس الأميركي قد دخل العمليات العسكرية الواسعة ضد إيران في 28 شباط، واضعاً أهدافاً كبيرة تمثلت في إنهاء البرنامج النووي الإيراني سريعاً، وإضعاف القدرات العسكرية لطهران، وصولاً إلى إحداث تغيير في نظام الحكم. لكن بعد نحو خمسة أشهر، تشير الصحيفة إلى أن معظم هذه الأهداف لم يتحقق، فيما بقيت القيادة الإيرانية متماسكة وقادرة على تحمل الضربات والرد عليها.
من «النموذج الفنزويلي» إلى المأزق الإيراني
كان ترامب مقتنعاً بأن استخدام قوة ساحقة سيسمح له بتكرار ما وصفه بـ«النموذج الفنزويلي»، أي إسقاط قيادة معادية واستبدالها بحكم أكثر استعداداً للخضوع للنفوذ الأميركي.
إلا أن التجربة الإيرانية أثبتت أن الظروف مختلفة كلياً. فإيران دولة كبيرة ذات مؤسسات أمنية وعسكرية وشبكات نفوذ إقليمية، كما أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لا تبدو مقتنعة بأن العودة إلى عمليات قتالية واسعة ستقود إلى انهيار النظام أو ستجبر طهران على قبول الشروط الأميركية.
وبحسب قراءة «نيويورك تايمز»، اكتشف ترامب أن امتلاك «أكبر مطرقة في العالم» لا يعني بالضرورة القدرة على حل كل الأزمات بضربة عسكرية. فالقوة الأميركية قادرة على تدمير المنشآت والبنى التحتية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من فرض تسوية سياسية، أو دفع إيران إلى الاستسلام، أو إيجاد بديل جاهز عن النظام القائم.
تردد في العودة إلى التصعيد
تزامن تحليل الصحيفة مع قرار ترامب إرجاء خطط كانت مطروحة لتصعيد الهجمات العسكرية على إيران، وسط تحذيرات تلقاها من كبار مستشاريه والمسؤولين العسكريين.
وتقول تقارير أميركية إن أحد أبرز أسباب التردد يتعلق بالمخاوف من استنزاف مخزون صواريخ الدفاع الجوي، ولا سيما صواريخ «باتريوت» واعتراضات الدفاع الصاروخي المنتشرة لحماية القوات الأميركية وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط.
كما يخشى المسؤولون الأميركيون أن يؤدي توسيع الحرب إلى تعريض القواعد الأميركية ودول الخليج لهجمات إيرانية إضافية، فضلاً عن توسيع رقعة المواجهة ورفع أسعار الطاقة وإحداث اضطرابات اقتصادية عالمية وأزمات نزوح ولجوء جديدة.
وتشير المعلومات إلى أن عدداً محدوداً جداً من المحيطين بترامب كان مؤيداً لخيار التصعيد الواسع، فيما شكك مسؤولون في قدرة الضربات الجديدة على إعادة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات.
بل إن بعض التقديرات داخل الإدارة ترى أن استمرار القصف قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، عبر توحيد الإيرانيين خلف قيادتهم ومنح النظام فرصة لتحويل الأنظار عن أزماته الداخلية نحو التهديد الخارجي.
أهداف كبيرة ونتائج محدودة
المشكلة الأساسية التي يواجهها ترامب، وفق «نيويورك تايمز»، هي الفجوة المتزايدة بين الأهداف التي أعلنها في بداية الحرب وبين النتائج التي تحققت ميدانياً وسياسياً.
فالحرب لم تؤد إلى إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة حاسمة، ولم تسقط النظام، كما لم تمنع طهران من مواصلة التأثير في أمن الملاحة والطاقة أو من تهديد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.
وفي المقابل، استطاعت إيران فرض كلفة اقتصادية وأمنية مرتفعة على الولايات المتحدة وحلفائها، سواء من خلال العمليات في مضيق هرمز أو عبر الردود التي استهدفت دولاً تستضيف قواعد أميركية، إضافة إلى تحركات حلفائها في اليمن والبحر الأحمر.
وقد أدى التصعيد إلى ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف على حركة التجارة العالمية، ما وضع ضغوطاً إضافية على الإدارة الأميركية ودفعها إلى البحث عن تهدئة، ولو مؤقتة.
رئيس يكتشف حدود سلطته
يركز تحليل سانغر على التحول الذي طرأ على صورة ترامب عن نفسه. فالرئيس الأميركي كان يرى أن قدرته على اتخاذ قرارات مفاجئة واستخدام القوة تمنحه حرية شبه مطلقة في فرض إرادته على خصومه وحلفائه.
وسبق لترامب أن قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» إن القيد الوحيد على استخدامه القوة هو «أخلاقه الشخصية». إلا أن الحرب الإيرانية أظهرت وجود قيود أخرى، تشمل المخزون العسكري، وحسابات الحلفاء، والأسواق العالمية، والرأي العام، وقدرة الخصم على الصمود والرد.
وبدلاً من رئيس يمسك بجميع الخيارات، يبدو ترامب اليوم، بحسب الصحيفة، متردداً بين العودة إلى حرب شاملة لا يضمن نتائجها، والدخول في مفاوضات قد تبدو وكأنها تراجع عن الأهداف الكبرى التي أعلنها.
ويفاقم هذا المأزق تقلب الخطاب الرئاسي. ففي بعض الأحيان يهدد ترامب إيران بضربات غير مسبوقة، وفي أحيان أخرى يتحدث عن اقترابها من طلب التفاوض وعن وجود فرصة أمام الدبلوماسية.
لكن هذا التبدل المتواصل يعكس، في قراءة الصحيفة، غياب استراتيجية خروج واضحة أكثر مما يعكس سياسة متعمدة تقوم على الغموض.
هدنة لا تعني نهاية الحرب
أتاح تعليق الضربات الأميركية والإيرانية لليوم الثاني على التوالي مساحة للتحركات الدبلوماسية، ولا سيما عبر وساطات إقليمية تشارك فيها سلطنة عُمان.
غير أن التهدئة الحالية لا ترقى إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، كما أنها لا تعالج جوهر الخلافات، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل مضيق هرمز، ودور إيران الإقليمي، والضمانات الأمنية التي تطالب بها طهران.
وأبلغ مسؤول إيراني وكالة «رويترز» أن بلاده ستواصل وقف هجماتها ما دامت الولايات المتحدة ملتزمة بتعليق ضرباتها، لكنه أكد في الوقت نفسه استعداد إيران للرد بقوة في حال استئناف العمليات الأميركية.
وهكذا تبقى الهدنة الحالية هشة وقابلة للانهيار، في وقت يحاول فيه الطرفان تحسين موقعيهما قبل أي مفاوضات محتملة.
التفوق العسكري لا يصنع نصراً سياسياً
تخلص «نيويورك تايمز» إلى أن معضلة ترامب لا ترتبط بضعف القدرة العسكرية الأميركية، بل بعدم ملاءمة الأداة العسكرية وحدها لتحقيق الأهداف السياسية التي أعلنها.
فالولايات المتحدة تستطيع مواصلة قصف إيران وإلحاق أضرار واسعة بها، لكن ذلك لا يجيب عن الأسئلة الكبرى: ماذا سيحدث في اليوم التالي؟ ومن سيدير إيران إذا انهار النظام؟ وكيف يمكن منع توسع الحرب؟ وما الكلفة التي ستتحملها الولايات المتحدة وحلفاؤها والاقتصاد العالمي؟
وبعد أشهر من القتال، يبدو أن ترامب لم يعثر بعد على معادلة تحقق له نصراً واضحاً، ولا على تسوية تسمح له بالانسحاب من الحرب من دون أن يبدو وكأنه أخفق في تحقيق أهدافه.
إنها مفارقة الرئيس الذي دخل الحرب واثقاً من أن القوة الساحقة قادرة على فتح جميع الأبواب، ليكتشف أن أكبر مطرقة في العالم قد تدمر الكثير، لكنها لا تستطيع وحدها بناء مخرج سياسي من النزاع.
نقلاً عن «نيويورك تايمز» – إعداد «الديار»
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
23:35
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: كان على الأميركيين إتاحة وصولنا لأصولنا المجمدة لكنهم لم يفوا بالتزاماتهم
-
23:35
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: لا يمكن أن نسمح بتحول مضيق هرمز إلى أداة بأيدي المعتدين للإضرار بأمننا القومي
-
23:33
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: الوسطاء ومن بينهم باكستان وقطر يقومون بمبادلة الرسائل بين الأطراف
-
23:29
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء أكد ضرورة تنفيذ الأطراف ما تم التوافق عليه في إطار مذكرة التفاهم
-
23:29
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء جدد دعم قطر للمساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر والتوصل لاتفاق شامل يحقق السلام
-
23:28
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء أكد في الاتصال مع وزير خارجية عمان ضرورة التزام الأطراف بالحوار والدبلوماسية
