اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رسم الكاتب الأميركي نيكولاس كريستوف صورة قاتمة لأوضاع الفقراء في الولايات المتحدة، مؤكداً أن ملايين المواطنين يعيشون ظروفاً صعبة لا يدركها كثيرون، في ظل تفاقم معاناتهم بسبب تقليص برامج الرعاية الاجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، استند كريستوف إلى رحلة ميدانية امتدت لنحو 1600 كيلومتر في ولايات أوكلاهوما وأركنساس وتينيسي وكنتاكي، مشيراً إلى أن الفقر في "أميركا" لم يعد مجرد نقص في الدخل، بل أصبح حالة متوارثة تعيد إنتاج نفسها عبر الأجيال نتيجة تراكم الصدمات النفسية وضعف شبكات الحماية الاجتماعية.

ويبدأ الكاتب بقصة ترينيتي غودمان (44 عاماً) من أوكلاهوما سيتي، التي تعتمد على بيع بلازما دمها مرتين أسبوعياً لتأمين احتياجاتها الأساسية. ويوضح أنها لم تكن تملك سوى بضعة دولارات في حسابها المصرفي، فيما تعتمد على قسائم غذائية شهرية لا يمكن استخدامها لشراء بعض المستلزمات الضرورية، ما يدفعها إلى اللجوء لبنوك الطعام التي تديرها الكنائس.

وتقول غودمان إنها لم تتمكن طوال حياتها من تحمل تكلفة زيارة صالون حلاقة، كما عاشت سنوات مهددة بالتشرد، واضطرت للإقامة في منزل شخص استغل حاجتها، قبل أن تساعدها مؤسسة خيرية في الحصول على سكن منخفض التكلفة.

اتساع الفجوة

ويرى كريستوف أن هذه القصص تكشف اتساع الفجوة بين الأميركيين، ففي الوقت الذي يحقق فيه كثيرون مستويات غير مسبوقة من الثراء، يعيش آخرون في ظروف تمنعهم من تأمين أبسط احتياجاتهم اليومية.

ويحمّل الكاتب إدارة الرئيس دونالد ترامب جزءاً من المسؤولية، مشيراً إلى أن تقليص برامج المساعدات الغذائية والرعاية الصحية وتمويل خدمات الصحة النفسية، إلى جانب تشديد شروط الحصول على الإعانات، أدى إلى زيادة الضغوط على الأسر الفقيرة، خصوصاً مع استمرار ارتفاع أسعار الغذاء والوقود.

ومن بين الحالات التي يعرضها المقال، لاتويا فوستر، وهي أم عزباء لستة أطفال تعمل في أحد مطاعم الوجبات السريعة بأجر 13.40 دولاراً في الساعة. وكانت تعتمد على أكثر من ألف دولار شهرياً من قسائم الغذاء، قبل أن تتوقف المساعدات فجأة بسبب ما وصفته بخطأ إداري مرتبط بملفات طفليها.

وتروي فوستر أنها أصبحت عاجزة عن دفع إيجار منزلها، مضيفة أن زيادة ساعات العمل لم تعد تحسن وضعها المعيشي، بل تزيد الضغوط عليها، قبل أن تنهار باكية أمام الكاتب.

ويشير كريستوف إلى أن نحو 1.5 مليون طفل فقدوا المساعدات الغذائية خلال العام الماضي، بينما خسر ملايين الأميركيين تغطيتهم الصحية بعد تقليص الدعم الحكومي، ما زاد هشاشة الأسر ذات الدخل المحدود.

ولا يقصر الكاتب انتقاداته على الجمهوريين، بل يرى أن الديمقراطيين أيضاً أخفقوا في معالجة جذور الفقر رغم خطابهم الداعم للعدالة الاجتماعية.

ويستشهد بارتفاع معدلات التشرد في ولايات يحكمها الديمقراطيون، وبالتفاوت الكبير في فرص التعليم والسكن، حيث أصبحت مناطق مثل بالو ألتو في "كاليفورنيا" توفر مدارس ممتازة، لكن أسعار المنازل فيها تجعلها بعيدة عن متناول معظم الأسر.

الفقر والجريمة

ويخصص كريستوف جزءاً من مقاله لمدينة باين بلاف في ولاية أركنساس، حيث يرى أن الفقر والجريمة وضعف التعليم ما زالت تحد من فرص السكان، رغم مرور عقود على انتهاء قوانين الفصل العنصري.

وينقل عن بعض كبار السن قولهم إن أوضاعهم الاقتصادية أصبحت أسوأ من الماضي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

ويختم الكاتب بقصة إيمانويل لاستر، الذي التقى به قبل 10 سنوات عندما كان مراهقاً واعداً، لكنه انتهى في السجن بسبب اتهامات فدرالية بحيازة سلاح معدل آلياً.

ويعتبر كريستوف أن قصة لاستر تجسد كيف يعيد الفقر إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل، محذراً من أن تجاهل معاناة الفئات الأكثر هشاشة من قبل السياسيين في الحزبين يهدد بتوسيع الفجوة الاجتماعية في الولايات المتحدة، ويجعل ملايين الأطفال عرضة لتكرار المأساة نفسها التي عاشها آباؤهم، ما لم تتم معالجة الأسباب البنيوية للفقر بدلاً من الاكتفاء بتقليص برامج الدعم.

الكلمات الدالة

الأكثر قراءة

ترامب: الانتصار ولو في جهنم