ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس، تخلله جناز لراحة أنفس الضحايا الذين سقطوا في مستشفى القديس جاورجيوس الجامعي وفي كل العاصمة بيروت. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "أبدأ بالتحية والشكر والتقدير لكل فرد من أفراد جيشنا الباسل، حامي الوطن الوحيد، في عيده، سائلا الرب القدير أن يـحمـيهم ويرافــقـهم في كل خطوة وكل مهمة يـقـومـون بها من أجل حماية وطننا وحفظ حدوده والدفاع عن أرضه وبسط سيادته على كامل مساحته، كما نصلي من أجل راحة نفس كل شهيد من عناصره مات ليبقى لبنان. ليس البحر وحده يضطرب، بل الإنسان أيضا تتقاذفه العواصف، كذلك الشعوب والأوطان. لذلك، لا يروي لنا الإنجيلي متى حادثة عبور التلاميذ في البحر لمجرد وصف معجزة، بل لكشف حقيقة الحياة مع المسيح. فالسفينة التي كانت تتقاذفها الأمواج هي صورة عن جماعة التلاميذ، إنما أيضا عن الكنيسة، وعن حياة كل مؤمن، وكل وطن عندما تتلاطم حوله الأمواج وتهب الرياح. دخل التلاميذ السفينة بأمر الرب. لم يكونوا خارج مشيئته عندما هبت الريح، ولم تكن العاصفة علامة على أن الله تركهم. ما أحوجنا اليوم إلى فهم هذه الحقيقة لأننا كثيرا ما نظن أن حضور الصعوبات يعني غياب الله. يعلمنا الإنجيل أن الله قد يكون أقرب منا في العاصفة منه في الهدوء".
أضاف: "طال الليل، اشتدت الريح، وتسلل الخوف إلى القلوب. الخوف هو أول ما يصيب الإنسان عندما يحصر نظره بما يراه فقط. لذلك، جاء المسيح في الهجعة الرابعة من الليل، أي عندما بدا أن كل رجاء قد تلاشى. جاء «ماشيا على البحر» ليعلن أن ما يخيف الإنسان هو تحت قدمي الله. قال: «ثقوا، أنا هو، لا تخافوا». هذا الكلام ليس موجها إلى التلاميذ فقط، بل إلى كل إنسان يعيش وسط عالم مضطرب، وكل شعب يشعر بأن الأمواج أعلى من قدرته على الإحتمال. المسيح لا يعدنا بحياة خالية من العواصف لكنه يطلب منا أن لا نخاف لأنه لا يغيب في وسطها. بطرس الذي ثبت عينيه على الرب استطاع السير فوق المياه، لأن الإيمان ينقل الإنسان من الإتكال على قدراته إلى الإتكال على الله. عندما التفت إلى شدة الريح خاف وبدأ يغرق. كثيرا ما يحدث هذا معنا. نترك المسيح لنراقب الأخبار والأزمات وحسابات البشر ونلهث وراء المكاسب، فنفقد السلام الداخلي ونغرق في اليأس والضياع. الغرق يبدأ في القلب قبل الواقع. الإنجيل لا ينتهي بسقوط بطرس، بل بيد المسيح الممدودة إليه. هذا هو رجاء الكنيسة الدائم. الرب لا يخلص الذين لا يسقطون بل من يصرخ إليه: «يا رب، نجني». رسالة اليوم تكشف لنا لماذا يستطيع المسيح أن يقيم الإنسان من سقوطه. المؤمن ليس فردا يعيش في العالم، بل هو هيكل الله، وروح الله يسكن فيه. حياته ليست مبنية على أي أساس بشري، بل على أساس واحد هو المسيح، وكل ما يبنى بعيدا عن هذا الأساس، مهما بدا متينا، سيكشفه الإمتحان «كمن يمر في النار». لا يحذر الرسول من الذين يهدمون الأبنية الحجرية، بل من الذين يفسدون هيكل الله، أي الإنسان والمجتمع والحقيقة. حين تصبح الكذبة نظاما، والظلم سياسة، والإفلات من العقاب ثقافة، يكون الهيكل قد بدأ يتصدع من الداخل، ولو بقيت جدرانه قائمة".
وتابع: "إنجيل اليوم ليس كلاما على بحر الجليل فقط، بل هو كلام على بحار أوطاننا المضطربة بالمشاكل والحروب والصراعات والفساد. لبناننا ليس بمنأى عن هذه الإضطرابات وهو الذي يعاني منذ عقود ويلات الحروب والفساد والإنهيار المالي والإقتصادي، وعجز الدولة وتراجع الثقة بها... لكن السنوات الماضية كانت الأشد وطأة على أبنائه. بعد ست سنوات على تفجير مرفأ بيروت، ما زال البحر هائجا، ليس لأن الإنفجار وحده كان عاصفة مرعبة، بل لأن الحقيقة ما زالت غارقة تحت أمواج المصالح، والعدالة ما زالت تقيد كلما اقتربت من كشف المسؤولين. كيف لا نتوقف اليوم بغصة أمام أحد أكبر جراح وطننا؟ كيف للكنيسة أن تسمع كلام الإنجيل على الخلاص، وكلام الرسول على قداسة الإنسان، ثم تمر مرورا عابرا على كارثة ما زالت تصرخ في وجه التاريخ؟ ست سنوات مرت، وما زال أهل الضحايا يرفعون الصرخة نفسها: أين الحقيقة؟ من قتل أبناءنا؟ من دمر العاصمة؟ من حول جزءا منها إلى ركام غطى جثث أحبائهم ودفن آمالهم؟ كيف يمكن لدولة أن تطلب من شعبها الثقة، وهي عاجزة عن قول الحقيقة، أو غير راغبة في ذلك؟ كيف يمكن للعدالة أن تبقى عدالة إذا كانت تؤجل أو يكتم صوتها كلما دنت من أصحاب النفوذ؟ نحن نعول على حكمة رئيس هذا البلد الحبيب، وتصميم رئيس حكومته، وعلى ضمائر من تبقى من شرفاء يعملون تحت سقف القانون، بعيدا عن الفساد وعن المصلحة، كي يأتوا بالأجوبة الشافية للقلوب والنفوس".
وقال: "ست سنوات ولم يخفت صوت الإنفجار في وجدان اللبنانيين. الإنفجار لم ينته عندما خمد الدخان، والجرح ما زال مفتوحا. مرحلة التعافي تبدأ عندما تعلن الحقيقة. الإنفجار ينتهي عندما يقتاد مفتعلوه إلى العدالة. أما إذا بقيت الحقيقة أسيرة الحسابات، والعدالة رهينة التدخلات والمصالح، تبقى الجريمة حية في الضمائر، والجرح نازفا، والثقة غائبة، والأمل بدولة قوية عادلة لا تخشى إلا ربها معدوم. تعطيل العدالة ليس خطأ إداريا بل خطيئة أخلاقية ووطنية. كل يوم تبقى فيه الحقيقة أسيرة هو يوم يقتل فيه الضحايا مجددا، وتهان فيه كرامة الناجين الذين يتألمون لأن القوي هو دائما المنتصر، كما في الغابات، ويستطيع الإفلات من الحساب. المطلوب ليس انتقاما، لأن الإنتقام ليس من تعاليم الإنجيل. العدالة هي المبتغى، لأنها من صميم الإنجيل. لا نبحث عن كراهية، لأن المسيح علمنا المحبة، لكن المحبة لا تعني التستر على الجريمة، ولا تحويل دماء الأبرياء إلى ذكرى سنوية تطوى في اليوم التالي. المحبة التي لا تدافع عن الحقيقة ناقصة، والغفران الذي يفرض قبل الإعتراف بالحق باطل، والسلام الذي يبنى على دفن الحقيقة مزور، وهدنة موقتة فوق بركان. ما يزيد الألم والجرح عمقا أن لبنان، بعد ست سنوات، لم يخرج من دوامة الموت. ما زال يدفع إلى حروب لا تشبه أحلام أبنائه، ولا تعبر عن إرادة شعبه. اللبنانيون لم يخلقوا ليكونوا وقودا لصراعات الآخرين، ولا صندوق بريد للرسائل الإقليمية، ولا ساحة مفتوحة لكل نزاع يقرر الآخرون خوضه على أرضه. لقد تعب هذا الشعب من دفع حياته وأرزاقه، ومن دفن أبنائه، ومن أن يحرم حقه في حياة هادئة،آمنة وكريمة. هم يريدون وطنا يحكمه القانون لا السلاح، والحق لا القوة، والعدالة لا التسويات. المؤلم أن من يدفع الثمن هم دوما الأبرياء الذين يحلمون بوطن طبيعي، فإذا بهم يعيشون في وطن اعتاد الموت أكثر من الحياة. وكأن إنسان هذا البلد صار أرخص من المشاريع والحسابات والمصالح. الكنيسة لا تستطيع أن تعتاد هذا الواقع، ولا أن تصمت عندما تهان صورة الله في الإنسان، ولا أن تبارك ثقافة الإفلات من العقاب، أو أن تعتبر تعطيل العدالة أمرا عاديا، لأن السكوت عن الظلم مشاركة فيه، والتعايش مع الكذب قبول به. الإنجيل لا يطلب منا أن نكون شهودا للقيامة فقط، بل للحق أيضا. مسيحنا قال: «أنا الطريق والحق والحياة»، ولا حياة بلا حق، ولا سلام بلا عدالة، ولا شفاء حقيقيا من دون كشف الحقيقة كاملة، مهما كانت مرة، ومهما كلفت.
وختم: "نصلي اليوم من أجل جميع الضحايا، الأحياء والراقدين، كما نصلي أيضا كي يستيقظ الضمير الوطني، ويسقط كل ما يعطل الحقيقة، لأن الأوطان لا تبنى بالإنكار، ولا تنهض بالنسيان، ولا تشفى بالهروب إلى الأمام. لبنان لن يخرج من عواصفه ما لم يتصالح مع الحقيقة، وما لم تصبح العدالة فوق كل مصلحة، والإنسان أغلى من كل حساب، والوطن أكبر من كل مشروع يراد فرضه عليه".
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
13:36
تفجير اسرائيلي عنيف في بلدة الطيبة في قضاء مرجعيون، ومحلّقة إسرائيلية ألقت مواد متفجرة فوق منطقة علي الطاهر في النبطية.
-
13:24
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء وزير الخارجية بحث هاتفيا مع وزيري خارجية السعودية والأردن جهود خفض التصعيد بالمنطقة.
-
13:24
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء وزير الخارجية جدد دعم قطر الكامل لمساعي نزع فتيل التوتر والتوصل إلى اتفاق شامل.
-
13:19
الخارجية القطرية: رئيس الوزراء وزير الخارجية بحث هاتفيا مع وزير خارجية الكويت جهود خفض التصعيد بالمنطقة، وأكد ضرورة الالتزام بالحوار وتنفيذ ما اتفق عليه بمذكرة التفاهم.
-
13:06
غارة من مسيرة إسرائيلية على بلدة صربين في قضاء بنت جبيل>
-
12:49
التحكم المروري: جريح جراء انقلاب سيارة على أوتوستراد عمشيت باتجاه جبيل ودراج من مفرزة سير جونية يعمل على المعالجة
