رغم احتفاظ الولايات المتحدة بمكانتها كأكبر مُصدّر للأسلحة في العالم، فإنها تغيب بشكل لافت عن واحدة من أكثر أسواق الصناعات الدفاعية قيمة، وهي سوق الغواصات.
فمنذ أكثر من 50 عاماً لم تُصدّر واشنطن أي غواصة لدولة أجنبية، على الرغم من امتلاكها أحد أكثر الأساطيل تطوراً في العالم وهيمنتها على تقنيات الغواصات النووية.
ويأتي هذا الغياب في وقت تتنافس فيه شركات أوروبية وآسيوية على صفقات بمليارات الدولارات، مثل مشروع الغواصات الكندي الذي تُقدّر قيمته بنحو 30 مليار دولار، وبرنامج الغواصات الهندي "المشروع 75 (I)"، حيث برزت الشركة الألمانية "تيسن كروب للأنظمة البحرية" (TKMS) والكورية الجنوبية "هانوا" كمنافسين رئيسيين، في حين لم تشارك أي شركة أمريكية في السباق، بحسب "يوراسيان تايمز".
وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، استحوذت الولايات المتحدة على 42% من صادرات الأسلحة العالمية خلال الفترة بين 2021 و2025، مقابل 9.8% فقط لفرنسا، ثاني أكبر مصدر للأسلحة، إلا أن هذه الهيمنة لم تمتد إلى سوق الغواصات.
لم تكن الولايات المتحدة بعيدة دائماً عن تجارة الغواصات. فبعد الحرب العالمية الثانية، امتلكت أكثر من 230 غواصة، ثم بدأت مع اندلاع الحرب الباردة برنامجاً واسعاً لتحديث أسطولها، ما أدى إلى إخراج عشرات الغواصات العاملة بالديزل والكهرباء من الخدمة.
واستغلت واشنطن هذه الغواصات لدعم حلفائها، فصدّرت بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي نحو 50 غواصة إلى دول مثل تركيا وإسبانيا وإيطاليا واليونان وهولندا وكندا وتايوان، وشكلت حينها نحو ربع صادرات الغواصات التقليدية في العالم.
لكن إطلاق أول غواصة نووية أميركية "يو إس إس نوتيلوس" عام 1954 غيّر العقيدة البحرية الأميركية بالكامل، إذ اتجهت البحرية تدريجياً إلى الاعتماد الحصري على الغواصات النووية، وتوقفت عن إنتاج الغواصات التقليدية، قبل أن تُخرج آخر غواصة هجومية تعمل بالديزل من الخدمة عام 1990.
وكانت آخر عملية تصدير لغواصة أميركية عام 1973 إلى تايوان، ومنذ ذلك الحين خرجت واشنطن عملياً من سوق الغواصات التقليدية.
يرجع غياب الولايات المتحدة عن سوق الغواصات العالمية إلى مجموعة من الاعتبارات الأمنية والاستراتيجية، في مقدمتها رفض نقل تقنيات الدفع النووي، التي تُعد من أكثر التقنيات العسكرية الأميركية حساسية.
وتخضع الغواصات الأميركية للوائح صارمة، تشمل قانون مراقبة صادرات الأسلحة ولوائح الاتجار الدولي بالأسلحة (ITAR)، إضافة إلى قيود أشد بموجب قانون الطاقة الذرية، الذي يحظر عملياً تصدير تقنيات المفاعلات النووية وأنظمة السونار والتخفي والقتال الخاصة بالغواصات.
واستثنت واشنطن من هذه السياسة حليفين فقط، هما المملكة المتحدة، في إطار اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 1958، وأستراليا ضمن شراكة "AUKUS"، التي تنص على تزويد كانبيرا بما يصل إلى ثلاث غواصات نووية من فئة "فيرجينيا" خلال ثلاثينيات القرن الحالي.
كما تواجه الولايات المتحدة تحدياً صناعياً يتمثل في محدودية الطاقة الإنتاجية، إذ تكافح أحواض بناء السفن لتلبية احتياجات البحرية الأميركية، التي تخطط لإضافة غواصتين إلى ثلاث غواصات هجومية من فئة "فيرجينيا" سنوياً حتى عام 2043، ما يحد من إمكانية تخصيص إنتاج للتصدير.
في المقابل، تواصل دول مثل ألمانيا وفرنسا وروسيا والصين وإسبانيا الهيمنة على سوق الغواصات العالمية، من خلال تصدير الغواصات العاملة بالديزل والكهرباء إلى عشرات الدول.
فقد صدّرت روسيا غواصاتها إلى دول من بينها الهند والجزائر وفيتنام وإيران وسوريا وفنزويلا، بينما زودت الصين باكستان وميانمار وبنغلاديش وتايلاند بغواصات تقليدية، في حين اختارت باكستان مؤخراً ثماني غواصات صينية من طراز "هانغور" ضمن صفقة تُقدّر بنحو 5 مليارات دولار.
ورغم امتلاك ست دول فقط غواصات نووية، هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة والهند، فإن تصدير هذا النوع يكاد يكون معدوماً. ويظل المثال الوحيد هو تأجير الاتحاد السوفيتي، ثم روسيا لاحقاً، غواصتين نوويتين للهند، بينما امتنعت بقية الدول النووية عن تصدير هذه التكنولوجيا.
وبذلك، تجد الولايات المتحدة نفسها خارج سوق الغواصات العالمية، ليس بسبب ضعف التكنولوجيا أو غياب الطلب، وإنما نتيجة خيارات استراتيجية وأمنية تجعل الحفاظ على التفوق البحري أولوية تتقدم على المكاسب التجارية، حتى مع وجود صفقات قد تتجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات.
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
22:41
ترامب: شركات النفط تجني أرباحا طائلة من الحرب على إيران
-
22:27
المدعية العامة لولاية نيويورك: الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها ترامب ليست سوى بديل لرسوم سبق أن أبطلتها المحكمة العليا
-
22:09
السفير الفرنسي زار الرئيس سلام مودّعاً ورئيس الحكومة قدّم له درعاً
-
22:05
عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران اللواء محسن رضائي: لن نسمح بفتح أي ممر مائي في مضيق هرمز غير الممر الإيراني
-
22:05
اللواء رضائي: حتى لو أرسلت الولايات المتحدة الأميركية مدمرة إلى الممر غير القانوني في مضيق هرمز سوف نستهدفها
-
22:02
نتنياهو: ثمة خلافات مع ترامب لا أخفيها بشأن الاتفاق الأخير مع "حماس"
