اشترك مجانا بقناة الديار على يوتيوب

رأى تقرير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يواجه تراجعًا في قدرته على فرض شروطه على إيران، بعدما انتقلت المفاوضات بشأن مضيق هرمز إلى مسار تقوده سلطنة عُمان بعيدًا عن واشنطن. ويعتبر التقرير أن طهران نجحت في فصل ملف الملاحة في المضيق عن المفاوضات النووية، ما قلّص أوراق الضغط الأميركية، في وقت تسعى فيه دول الخليج إلى التوصل لاتفاق يضمن استئناف الملاحة ويجنب المنطقة جولة جديدة من التصعيد العسكري.

فبعد إلغاء الضربة القوية التي خطط لتوجيهها لإيران (بناء على طلب من الدول العربية)، نجح ترامب في إقناع أسواق المال على الأقل بأنه يسيطر على الوضع، حتى لو كان هذا مجرد وهم. انخفضت أسعار النفط وارتفعت الأسهم أمس، لكن يبدو أن الرئيس الأميركي لم يعد يسيطر تماماً على ما يحدث. فبعد فترة قصيرة عن إعلانه بأن إيران طلبت استئناف المفاوضات، التي كانت ستبدأ أمس، سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، إلى صب الماء البارد على رأسه.

لقد أكد بقائي في مؤتمر صحفي بأن إيران لم تطلب استئناف المفاوضات. وبحسبه، فإن "المفاوضات الوحيدة التي تجريها حالياً هي مع سلطنة عمان حول حل مؤقت لقضية مضيق هرمز". وحتى في هذه الحالة، كما أشار، من الأفضل عدم التفاؤل المفرط. فحسب بقائي، حتى لو تم التوصل إلى اتفاق بين سلطنة عمان وإيران، فإن هذا لا يعني استئناف الملاحة في الخليج العربي، قبل أن تفي الولايات المتحدة بكل التزاماتها التي جاءت في مذكرة التفاهم، بما في ذلك انسحاب قواتها ورفع الحصار عن إيران.


في الواقع، يظهر أن المفاوضات حول تنظيم الملاحة في مضيق هرمز أصبحت شأناً خاصاً. ففي البداية، في نيسان وأيار، كانت هذه القضية جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وكان الهدف منها أن تكون ورقة ضغط وشرطاً مسبقاً لمناقشة الملف النووي. ومنذ ذلك الحين، تمكنت إيران من فصلها عن القضايا العامة وحصرها في نقاش ثنائي بينها وبين سلطنة عمان. إضافة إلى ذلك، هذا دفع الولايات المتحدة إلى موقف المراقب، بانتظار إذا كان الطرفان سيتوصلان إلى حل للنزاع وكيف.

في حينه، قد يصبح ممكناً العودة إلى طاولة المفاوضات، حيث لن تتمكن الولايات المتحدة من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط. ظاهرياً، سيبقى بإمكان ترامب التقرير إذا كان سيوافق على بنود الاتفاق الموقع بين إيران وسلطنة عمان أو سيرفضها. ولكن بعد أن وجه ضابط رفيع في القيادة المركزية الأميركية دعوة محيرة الأربعاء لمجموعة من العسكريين والمحللين، ودعاهم إلى اقتراح طرق جديدة ومبتكرة وغير تقليدية للضغط على إيران ومعاقبتها، وبعد أكثر من 12 مرة ألغى فيها ترامب الضربة العسكرية، يبدو أن خيارات الولايات المتحدة للرد تتضاءل بالتدريج.

تجري المفاوضات بين إيران وسلطنة عمان كما يبدو حول ترتيبات فنية، تتمحور في الأساس حول تحديد الممر البحري الذي يسمح بالإبحار فيه. سلطنة عمان اقترحت نموذجاً يشبه الترتيبات المطبقة في مضيق ملقا في شرق آسيا: مساران، واحد داخل المياه الإقليمية العُمانية ومفتوح أمام الملاحة الحرة مثلما كان قبل الحرب، والثاني في المياه الإيرانية، حيث يشترط على السفن الحصول على إذن من طهران من أجل العبور. وتضمنت نسخة لاحقة من الاقتراح العُماني، بدعم من دول الخليج، آلية تفتيش مشتركة مع "مدفوعات طوعية" لتمويل سلامة الملاحة وحماية البيئة دون أن تحصل إيران على سيطرة حصرية على المسار.

إيران دولة موقعة على اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي ينص على حرية عبور كل السفن (مع بعض القيود) حتى عند عبورها في المياه الإقليمية للدول التي تطل على الممرات المائية، ودون الحاجة إلى موافقة هذه الدول. ولكن طهران تدعي أنها غير ملزمة ببنود الاتفاق بسبب عدم تصديقها عليه. وبدلاً من مبدأ "حرية العبور" تطالب بتطبيق مبدأ "المرور البريء"، الذي ينص على حق عبور محدود جداً وقابل للتعليق. "المرور البريء" سيسمح لإيران بإيقاف وتفتيش السفن التي تعبر مياهها الإقليمية وإلزامها بطلب إذن للعبور. وكلما ازدادت منطقة المضيق الواقعة ضمن نموذج إيران، اتسعت الفجوة بين ما تعتبره إيران قانونياً وما تعتبره الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم حقاً غير قابل للتصرف في العبور. في الواقع، يعتبر هذا طلباً لسيادة كاملة ومطلقة في المضيق، ما يهدد حرية العبور فيه ويجعله غير مستقر وغير متوقع.

وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قال إن الاتفاق مع إيران على شفا الاكتمال، ولكن مصطلح "على شفا" قد ينطوي أحياناً على معنى أوسع وأشمل مما قد يشير إليه. ربما يكون مرادفاً لكلمة "غداً"، التي يستخدمها ترامب للإشارة إلى موعد استئناف المفاوضات، والتي تذكر بالمصطلح العربي "بكرة"، أو المصطلح الإسباني "مانيانا"، ولتجنب أي لبس، ينصح بإضافة عبارة "دون تعهد بذلك".

بعد هذه التصريحات التحذيرية، يبدو أن إيران أصبحت تهتم بتسريع واستكمال المفاوضات حول مضيق هرمز. فالاتفاق حوله سيفتح لها منفذاً اقتصادياً هي بحاجة ماسة إليه، لا سيما في ظل الظروف الإقليمية الملائمة لها. وقد أثبتت دول الخليج القدرة على صد أي هجوم عسكري واسع، وهي مثل إيران، بحاجة ماسة إلى إفراج سريع عن الشحنات المحتجزة في موانئها. وتجري السعودية وقطر والإمارات محادثات كثيفة مع إيران، الشركاء في محادثات عُمان، وتعمل على تحديد ملامح الاتفاق معها. ويمكن الافتراض أن أي اتفاق يتم التوصل إليه بين إيران وعُمان، حتى لو منح طهران المزيد من حقوق السيادة في مضيق هرمز، يعتبر بالنسبة لهم أفضل من تجدد الحرب. ما يقبلونه يقبله ترامب أيضاً.

لقد رفضت إيران الاقتراحين بذريعة عدم تلبيتهما لضمان أمنها القومي. وبدلاً من ذلك، اقترحت صيغة يمر بحسبها مسار الدخول وجزء من مسار الخروج الجنوبي في مياهها الإقليمية. هذا سيمكن إيران من ممارسة سيطرة فعالة على معظم الملاحة في المضيق. وتطرقت نسخة إيرانية سابقة أيضاً إلى جباية الرسوم الجمركية الرسمية ومنع عبور سفن الشركات أو الدول المستفيدة من الأصول الإيرانية المجمدة، المقترح الإفراج عنها، حسب خطة ترامب. بكلمات أخرى، الأمر ليس سيطرة تقنية فقط، بل أداة سياسية للعقاب.

يسعى الطرفان الآن إلى وضع خارطة ملاحة جديدة، لا تفصل بين المسارين، بل تتفق على مسار دائم ومشترك، يحتفظ فيه كل طرف بسيادته. مع ذلك، لا توضح هذه الصيغة حتى الآن ما هي صلاحيات إيران، وما إذا كان أصحاب السفن سيطلب منهم دفع أموال مقابل طخدمات ملاحية"، مثل الأمن والملاحة والصيانة، وما هو حجم هذه الأموال وكيفية توزيع العائدات، وليست هذه سوى عقبة صغيرة نسبياً.


الأكثر قراءة

حتى لا تموت أميركا في الشرق الأوسط