أكد رئيس الهيئة التنفيذية في حركة "أمل" الدكتور مصطفى الفوعاني، في لقاء إعلامي بمناسبة شهر تغييب الإمام القائد السيد موسى الصدر، أن استعادة فكر الإمام الصدر في هذه المرحلة لا تنطلق من الحنين إلى الماضي، بقدر ما تستند إلى الحاجة المتجددة إلى مشروعه الوطني والإنساني، باعتباره مشروعًا متكاملًا للإنسان والوطن والدولة والمجتمع، مشددًا على أن الإمام الصدر لم يكن صاحب رؤية جزئية أو ظرفية، بل أسس لمشروع وطني تجاوز في أبعاده حدود اللحظة السياسية، وجعل من كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية والوحدة الوطنية ومقاومة الاحتلال ركائز أساسية في بناء لبنان.
وقال الفوعاني إن "الإمام الصدر انطلق من الإنسان، من كرامته وحقه في الحياة الحرة والكريمة، ومن رفضه للحرمان والتهميش والإقصاء"، معتبرًا أن "قضية المحرومين لم تكن بالنسبة إليه قضية مطلبية أو مناطقية محدودة، بل كانت قضية وطنية بامتياز، لأن الوطن الذي يشعر فيه جزء من أبنائه بأنهم متروكون خارج دائرة الاهتمام هو وطن يواجه خللًا عميقًا في مفهوم المواطنة وفي العلاقة بين الإنسان والدولة".
ولفت إلى أن الإمام الصدر أدرك باكرًا أن الحرمان لا يقاس فقط بغياب الخدمات أو ضعف الإنماء، بل بما يتركه من شعور بالغبن والتهميش وفقدان الثقة بالمؤسسات، ولذلك جعل مواجهة الحرمان جزءًا لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة والمجتمع، وربط بين العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن وبين تعزيز الاستقرار الوطني وترسيخ الانتماء إلى لبنان.
وأضاف أن "الجنوب والبقاع وسائر المناطق التي عانت تاريخيًا من الحرمان لم تكن في مشروع الإمام الصدر مناطق تبحث عن امتيازات أو حصص، بل كانت مناطق لبنانية أصيلة تطالب بحقها الطبيعي في الدولة وفي التنمية وفي العدالة"، مشيرًا إلى أن "الإنماء المتوازن الذي نادى به الإمام لم يكن شعارًا موسميًا، وإنما كان مدخلًا أساسيًا إلى بناء دولة يشعر فيها كل لبناني، أينما كان، بأنه شريك كامل في الوطن".
وشدد الفوعاني على أن "مواجهة الحرمان كانت في فكر الإمام الصدر متكاملة مع مقاومة الاحتلال، لأن المقاومة، في مفهومه، لم تكن محصورة في بعدها العسكري، بل كانت مشروعًا لبناء مجتمع يمتلك عناصر القوة والصمود والوعي والقدرة على حماية أرضه ومستقبله".
وقال إن "الإمام الصدر أسس لمفهوم المجتمع المقاوم، وهو مفهوم يتجاوز حمل السلاح إلى بناء الإنسان القادر على الصمود، والمجتمع القادر على حماية نفسه، والوطن القادر على مواجهة التحديات. فمقاومة الاحتلال تتكامل مع مقاومة الجهل والفقر والتهميش واليأس، والمجتمع الذي يريد أن يحمي أرضه لا بد أن يحمي إنسانه أيضًا، وأن يؤمن له التعليم والعمل والتنمية والرعاية الاجتماعية والقدرة على البقاء والتجذر في أرض"ه.
وأشار إلى أن "المقاومة في هذا المعنى كانت ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وثقافية وعلمية ووطنية، لأن قوة المجتمع لا تُقاس فقط بقدرته على المواجهة العسكرية، وإنما بقدرته على إنتاج عناصر الصمود والاستمرار، وبقدرته على تحويل التحديات إلى طاقة للبناء، والعدوان إلى حافز لمزيد من التماسك الوطني".
وأضاف أن "الإمام الصدر لم يرد للإنسان أن يكون مجرد متلقٍ للخدمات أو رقمًا في معادلة سياسية، بل أراده إنسانًا فاعلًا ومنتجًا ومتعلمًا ومتمسكًا بأرضه ووطنه، ولذلك فإن بناء المدارس والمؤسسات وتعزيز التعليم والتنمية والدفاع عن الفئات المحرومة كلها كانت في صلب مشروعه المقاوم".
وفي ما يتعلق بلبنان، أكد الفوعاني أن "الإمام الصدر تعامل مع الوطن باعتباره رسالة حضارية وإنسانية، ولم ينظر إلى صيغة العيش المشترك باعتبارها مجرد ترتيب سياسي بين الطوائف، بل باعتبارها نموذجًا يمكن للبنان من خلاله أن يقدم تجربة مختلفة في منطقة أنهكتها الانقسامات والحروب والصراعات المذهبية والطائفية".
وقال إن "لبنان الذي أراده الإمام الصدر هو لبنان الشراكة والحوار والتعدد، لبنان الذي تتحول فيه الخصوصيات إلى مصدر غنى وقوة، وليس إلى أدوات للانقسام، مشددًا على أن العيش المشترك بالنسبة إلى الإمام لم يكن هدنة بين اللبنانيين، وإنما كان خيارًا وطنيًا وحضاريًا، وأن حماية هذه الصيغة مسؤولية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة".
وحذّر الفوعاني من أن فشل التجربة اللبنانية لا يعني فقط فشل بلد صغير في إدارة تنوعه، بل ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود لبنان، لأن سقوط نموذج العيش الواحد أمام منطق الانقسام والتقسيم والانعزال سيكون خسارة لتجربة إنسانية وحضارية يحتاج إليها العالم العربي والمنطقة في ظل ما تشهده من أزمات وصراعات.
وأكد أن "حماية لبنان تبدأ من حماية وحدته الوطنية، ومن رفض تحويل الاختلاف السياسي أو الطائفي إلى انقسام اجتماعي، ومن التمسك بالحوار والشراكة والمؤسسات"، مشيرًا إلى أن "لبنان لا يستطيع أن يحمي سيادته أو أرضه أو مستقبله إذا كان اللبنانيون منقسمين على أنفسهم".
ولفت إلى أن الجنوب ليس هامشًا في الدولة اللبنانية، وليس منطقة تستعاد في الخطاب السياسي عند الأزمات ثم تغيب عن الأولويات في الظروف الأخرى، بل هو جزء أصيل من لبنان، وأن أبناء الجنوب الذين دفعوا أثمانًا كبيرة دفاعًا عن الأرض والكرامة والسيادة يستحقون دولة تكون حاضرة إلى جانبهم، وتحميهم، وتعيد إعمار ما تهدم، وتوفر لهم مقومات الاستقرار والحياة الكريمة.
وقال إن "إعادة إعمار الجنوب لا تعني إعادة بناء الحجر فقط، بل إعادة تثبيت الإنسان في أرضه، وإعادة الدورة الاقتصادية والاجتماعية إلى القرى والبلدات، وفتح المدارس والمؤسسات، وتأمين البنى التحتية والخدمات، بما يضمن عودة الأهالي إلى أرضهم وتمسكهم بها"، معتبرًا أن "كل بيت يعاد بناؤه هو تأكيد على رفض التهجير، وكل عائلة تعود إلى قريتها هي تأكيد على أن الأرض ستبقى لأهلها".
وفي الشأن السياسي، جدد الفوعاني رفض حركة "أمل" أي تفاوض مباشر مع الجانب الإسرائيلي، مؤكدًا "التمسك بالتفاوض غير المباشر باعتباره الإطار الذي يحفظ الحقوق اللبنانية ويمنع تحويل المسار السياسي إلى مدخل للتطبيع أو الاعتراف بالاحتلال".
وشدد على أن "الأولوية يجب أن تبقى لاستعادة كامل الأراضي اللبنانية المحتلة، وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، وإطلاق الأسرى، ووقف الاعتداءات والانتهاكات، وتثبيت السيادة اللبنانية، والبدء بإعادة الإعمار"، مؤكدًا أن "هذه الحقوق ليست قابلة للمساومة أو التجزئة".
واعتبر الفوعاني أن "الجانب الإسرائيلي أسقط، من خلال ممارساته والتزاماته الميدانية والسياسية، الكثير من التفاهمات والاتفاقات القائمة، وأن لبنان لا يستطيع أن يتعامل مع الواقع وكأن شيئًا لم يتغير في ظل استمرار الاعتداءات والانتهاكات والاحتلال".
وقال إن "لبنان لا يريد الحرب ولا يسعى إليها، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يحول رغبته في الاستقرار إلى تنازل عن حقوقه، ولا أن يجعل من التفاوض غطاءً للتطبيع أو مدخلًا إلى تكريس الاحتلال، مشددًا على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على حساب سيادة لبنان وحقوقه وأرضه وأمن أبنائه".
وفي ما يتصل ببناء الدولة، أكد الفوعاني أن الدولة العادلة والقوية هي التي تنصف جميع المناطق اللبنانية، وتؤمن المساواة بين المواطنين، وتحقق الإنماء المتوازن، وتحمي الحقوق، وتفرض القانون، وتؤمن الخدمات الأساسية، وتعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وأضاف أن "قوة الدولة لا تقاس بالشعارات، وإنما بقدرتها على حماية الإنسان وتحقيق العدالة والوصول إلى جميع المناطق"، مشيرًا إلى أن "معالجة الحرمان الذي شكل محورًا أساسيًا في مشروع الإمام الصدر تتطلب الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل، ومن الكلام عن الإنماء إلى وضع خطط ومشاريع تنموية حقيقية تساهم في خلق فرص العمل وتحسين الخدمات وتثبيت الناس في أرضهم".
وشدد على أن "لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تتحدث عن المناطق المحرومة بقدر ما يحتاج إلى سياسات عملية تعالج أسباب الحرمان، وتؤمن المدارس والمستشفيات والطرقات والمياه والكهرباء والبنى التحتية وفرص العمل، وتضع الإنماء المتوازن في صلب السياسة الوطنية، لا في هامش البرامج الانتخابية والمناسبات السياسية".
وأكد أن "الوفاء للإمام الصدر لا يكون باستعادة اسمه وشعاراته فقط، بل بتحويل مبادئه إلى ممارسة سياسية واجتماعية ووطنية، وبالدفاع عن الإنسان الذي جعله محور مشروعه، وبمواجهة الحرمان الذي اعتبره خطرًا على الوطن، وبحماية الوحدة الوطنية، وبالتمسك بالأرض والسيادة، وببناء الدولة العادلة والقادرة".
وقال إن "الإمام الصدر، رغم تغييب جسده، بقي حاضرًا في كل قضية تتصل بكرامة الإنسان والوطن، حاضرًا في الجنوب وأهله، وفي المناطق المحرومة، وفي المدارس والمؤسسات، وفي كل دعوة إلى الحوار والوحدة، وفي كل موقف يرفض الاحتلال والعدوان، وفي كل مشروع يسعى إلى بناء دولة عادلة لا يشعر فيها أي مواطن بأنه خارج حسابات الوطن".
وأشار إلى أن "استعادة فكر الإمام الصدر اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل هي استشراف للمستقبل، لأن القضايا التي حملها لا تزال حاضرة: قضية الإنسان، وقضية الحرمان، وقضية الدولة، وقضية الجنوب، وقضية الوحدة الوطنية، وقضية السيادة، وقضية مواجهة الاحتلال".
وختم الفوعاني بالتأكيد أن "مشروع الإمام الصدر لم يكن مشروع فئة أو منطقة أو لحظة سياسية، بل كان مشروع وطن، وأن المسؤولية اليوم تفرض تحويل هذا المشروع إلى مسار عمل وطني يحفظ لبنان وطنًا لا ساحة، ويحمي الجنوب وأهله، ويعيد بناء الدولة على أساس العدالة والإنماء المتوازن، ويصون الوحدة الوطنية، ويتمسك بالحقوق اللبنانية كاملة".
وختم بالقول إن "الإمام الصدر غُيّب جسدًا، لكن مشروعه لم يُغيّب، وإن الغياب لا يمكن أن يكون نهاية لفكرة تحولت إلى قضية وطنية"، مؤكدًا أن "ما دام في لبنان إنسان يرفض الحرمان، وأرض ترفض الاحتلال، وشعب يتمسك بوحدته وكرامته، فإن مشروع الإمام الصدر سيبقى حاضرًا ومفتوحًا على المستقبل".
الكلمات الدالة
الأكثر قراءة
عاجل 24/7
-
15:27
الخارجية السورية: اتفقنا مع روسيا إعادة صياغة قواعدها ومنشآتها ذات الطابع العسكري في سوريا
-
15:22
"سانا" عن الخارجية السورية: دمشق وموسكو توصلتا إلى مذكرة تفاهم تحدد مستقبل القاعدتين الروسيتين في طرطوس وحميميم
-
15:16
محلّقات إسرائيلية ألقت مواد حارقة على جبل عين التينة في البقاع الغربي
-
15:04
حركة حماس لـ"رويترز": ما زلنا ملتزمين بخارطة الطريق التي تم الاتفاق عليها مع الوسطاء وممثلي مجلس السلام في القاهرة منذ 10 أيام
-
14:51
محلّقات إسرائيلية ألقت مواد حارقة على جبل عين التينة في البقاع الغربي.
-
14:44
نتنياهو: نعرف كيف نتمسك بموقفنا حتى في مواجهة أفضل أصدقائنا عندما يكون ذلك ضروريا.
